الصفحة 477 من 761

فأجاب رضي الله عنه: بأن طريقة الشكر هي الأصلية، وهي التي كانت عليها قلوب الأنبياء والأصفياء من الصحابة وغيرهم. وهي عبادته تعالى على إخلاص العبودية، والبراءة من جميع الحظوظ، مع الإعتراف بالعجز والتقصير وعدم توفية الربوبية حقها، وسكون ذلك في القلب على ممر الساعات والأزمان. فلما علم تبارك وتعالى الصدق في ذلك أثابهم بما يقتضيه كرمه من الفتح في معرفته ونيل أسرار الإيمان به عز وجل. فلما سمع أهل الرياضة بما حصل لهؤلاء من الفتح جعلوا ذلك هو مطلوبهم ومرغوبهم، فجعلوا يطلبونه بالصيام والقيام والسهر ودوام الخلوة حتى حصلوا على ما حصلوا. فالهجرة في طريقة الشكر كانت من أول الأمر إلى الله وإلى رسوله لا إلى الفتح ونيل الكشوفات، والهجرة في طريقة الرياضة كانت للفتح ونيل المراتب؛ والسير في الأولى سير القلوب، وللثانية سير الأبدان؛ والفتح في الأولى هجومي لم يحصل من العبد تشوف إليه، فبينما العبد في مقام طلب التوبة والإستغفار من الذنوب إذ جاءه الفتح المبين. والطريقتان على صواب، لكن طريقة الشكر أصوب وأخلص. والطريقتان متفقتان على الرياضة، لكنها في الأولى رياضة القلوب بتعلقها بالحق سبحانه وتعالى، وإلزامها العكوف على بابه، واللجا إلى الله في الحركات والسكنات، والتباعد عن الغفلة المتخللة بين أوقات الحضور. وبالجملة فالرياضة فيها تعليق القلب بالله عز وجل، والدوام على ذلك، وإن كان الظاهر غير متلبس بكبير عبادة، ولذا كان صاحبها يصوم ويفطر ويقوم وينام ويقارب النساء ويأتي بسائر وظائف الشرع التي تضاد رياضة الأبدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت