فلنفرض الذات قبل الفتح بمثابة شيء مظلم، والذات الشريفة بمنزلة نور ذي شعب متنوعة تنتهي إلى مائة ألف أو أكثر، فإذا أراد الله رحمة تلك الذات المظلمة فإن ذلك النور الذي يمدها ويسقيها يأتيها مرة ويخرقها بتلك الشعب واحدة بعد واحدة، ولنفرضها مثلا شعبة الصبر، فيزول بها سواد ضده من الجزع والقلق، ويأتيه مرة بشعبة أخرى، ولنفرضها شعبة الرحمة، فيزول بها سواد ضده الذي هو عدم الرحمة، ويأتيه مرة بشعبة أخرى، ولنفرضها شعبة الحلم، فيزول بها سواد ضده، وهكذا حتى تأتي على جميع الشعب التي في الذات المطهرة المنورة، وتزول عن الذات المظلمة جميع الأوصاف السوداوية، وعند ذلك يتمكن العبد من المشاهدة في الذات الشريفة، لأنه متى بقي عليه شيء من السواد كان ذلك السواد في ذاته، ولا يطيق مشاهدة الذات الشريفة حتى يخرج السواد بأسره من ذاته. ولسنا نريد أنه إذا سقي بالأسرار التي في الذات الشريفة أنه تكون فيه على الكمال التي هو عليه في الذات الشريفة، بل نريد أنه يسقى بها على ما تطيقه ذاته وأصل خلقته، ولسنا نريد أيضا أنه إذا سقي بشيء من تلك الشعب أنه ينقص من الذات الشريفة ويبقى محله خاليا منه، فإن الأنوار لا تزول عن محلها بالأخذ منها. فظهر لك بهذا أن العبد لا يشاهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى تمحى جميع أوصافه بورود تلك الأسرار الشريفة والأنوار اللطيفة، وفي ذلك قطع لمقامات لا تعد ولا تحصى.
فَإِنَّ فَضْلَ رَسُولِ اللهِ لَيْسَ لَهُ ... ... حَدُّ فَيُعْرِبُ عَنْهُ نَاطِقٌ بِفَمِ
وكأن من حصرها في ألفين أو أكثر أخبر عن حالته وما وقع له من الفتح وبقي عليه ما بقي. وما سبق من نفي المشاهدة عن الذي لا يسقى بجميعها، فإنما نعني به نفي المشاهدة على الكمال، فإن من بقيت عليه شعب وحصلت له مشاهدة حصلت له لا على الكمال، والله أعلم.
وسأله الفقيه المذكور عن المريد الذي يزيد إذا حضر الشيخ وينقص إذا غاب بما نصه: