ثم إذا فتح عليه وجعل السر في ذاته تدرج في مقامات المشاهدة للعوالم، فأول ما يشاهد الأجرام الترابية، ثم الأجرام العلوية، ثم الأجرام النورانية، ثم يشاهد سريان أفعاله تعالى في خليقته. وله في مشاهدة الأجرام الترابية التدريج، فأول ما يشاهد الأرض التي هو فيها، ثم يشاهد البحور التي هو فيها، ثم يشاهد ما بين الأرض التي هو فيها والأرض الثانية بأن يخرق نظره التخوم إلى الثانية، ثم يشاهد الأرض الثانية، ثم تخومها إلى الثالثة، وهكذا إلى السابعة. ثم يشاهد الجو الذي بينه وبين السماء الأولى، ثم السماء الأولى، وهكذا على نحو الترتيب السابق في الأرض. ثم يشاهد البرزخ والأرواح التي فيه، ثم الملائكة والحفظة وأمور الآخرة.
وعلى العبد في كل مشاهدة من هذه المشاهدات حق من حقوق الربوبية، وأدب من آداب العبودية. ويعرض له في ذلك قواطع، وتعتريه عوائق، ويشاهد أمورا هائلة قتالة، فلولا توفيق الله تعالى وفضله على العبد الضعيف ورحمته به لكان أقل درجاتها يرجع بسببها من جملة الحمقى. ثم قطعه لمقامات المشاهدة وأهوالها أصعب عليه من قطعه مقامات خواص النفوس، لأن قطعه لمقامات الخواص باطني لا يشعر به إلا بعد الفتح، وقطعه لمقامات المشاهدة ظاهري يعاينه ويراه، لأنه أمر يخوضه بعد الفتح. فإذا صفا نظره وتم نور بصيرته ورحمه الله الرحمة التي لا شقاء بعدها، رزقه الله سبحانه رؤية سيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فيراه عيانا ويشاهده يقظة ويمده الله تعالى بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فحينئذ يحصل على مقام الهناء والسرور، فهنيئا له السعادة.