ومنها، أي من الأسئلة: سيدي من ادعى أنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، قال العارفون بالله لا تقبل دعواه إلا ببينة، وهو أن يقطع ثلاثة آلاف مقام إلا مقاما، ويكلف المدعي بعدها ببيانها. فالمطلوب من سيادتكم أدامها الله أن تعدوها لنا ولو برمز واختصار، أو ما تيسر منها من غير استكثار.
فأجاب رضي الله عنه: بأن في باطن كل ذات ثلثمائة وستة وستين عرقا، كل عرق حامل للخاصية التي خلق لها، والعارف ذو البصيرة يشاهد تلك العروق مضيئة شاعلة في معاني خواصها، فللكذب عرق مشعول بخاصيته، وللحسد عرق يضيء به، وللرياء عرق يضيء به، وللغدر عرق يضيء به، وللعجب عرق يضيء به، وللكبر عرق يضيء به، وهكذا حتى تأتي على سائر العروق، حتى إن العارف إذا نظر إلى الذوات رأى كل ذات بمنزلة فنار علقت فيه ثلثمائة وست وستون شمعة، كل شمعة على لون لا يشابه لون غيرها. ثم هذه الخواص في كل واحدة منها تفاصيل وأقسام، فخاصية الشهوة مثلا لها أقسام بحسب ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى الفروج كانت قسما، وإن أضيفت إلى الجاه كانت قسما، وإلى المال كانت قسما، وإلى طول الأمل كانت قسما. وهكذا خاصية الكذب، فمن حيث إن صاحبها لا يقول الحق تعد قسما، ومن حيث إن صاحبها يظن في غيره أنه لا يقول الحق ويشك في كلامه ولا يصدقه تعد قسما. ولا يفتح على العبد حتى يقطع هذه المقامات بأسرها، فإذا أراد الله بعبده خيرا وأهله للفتح فإنه يقطعها عنه شيئا فشيئا على التدريج، فإذا قطع عنه مثلا خاصية الكذب حصل على مقام الصدق، ثم على مقام التصديق، وإذا قطع عنه خاصية الشهوة في المال حصل على مقام الزهد، أو شهوة المعاصي حصل على مقام التوبة، أو شهوة طول الأمل حصل على مقام التجافي عن دار الغرور، وهكذا.