الصفحة 470 من 761

ثم قطع الباطل عنها تارة يكون بصفائها في أصل خلقتها، بأن يطهرها الله بلا واسطة، وهذه حالة القرون الثلاثة الفاضلة الذين هم خير القرون، فقد كان الناس في تلك القرون متعلقين بالحق باحثين عليه، إذا ناموا ناموا عليه، وإذا استيقظوا استيقظوا عليه، وإذا تحركوا تحركوا فيه، حتى إن من فتح الله بصيرته ونظر إلى بواطنهم وجد عقولهم إلا النادر متعلقة بالله وبرسوله باحثة عن الوصول إلى مرضاتهما، فلهذا كثر فيهم الخير وسطع في ذواتهم نور الحق، وظهر فيهم من العلم وبلوغ درجة الإجتهاد ما لا يكيف ولا يطاق، فكانت التربية في هذه القرون غير محتاج إليها، وإنما يلقى الشيخ مريده وصاحب سره ووارث نوره فيكلمه في أذنه فيقع الفتح للمريد بمجرد ذلك، لطهارة الذوات وصفاء العقول، وتشوفها إلى نهج الرشاد.

وتارة يكون بتسبب من الشيخ فيه، أعني قطع الظلام من الذوات، وذلك فيما بعد القرون الفاضلة حيث فسدت النيات، وكسدت الطويات، وصارت العقول متعلقة بالدنيا، باحثة عن الوصول إلى نيل الشهوات، واستيفاء اللذات. فصار الشيخ صاحب البصيرة يلقى مريده ووارثه فيعرفه، وينظر إليه فيجد عقله متعلقا بالباطل ونيل الشهوات، ويجد ذاته تتبع العقل في ذلك، فتلهو مع اللاهين، وتسهو مع الساهين، وتميل مع المبطلين، وتتحرك الجوارح في ذلك حركة غير محمودة، من حيث إن العقل الذي هو مالكها مربوط بالباطل لا بالحق. فإذا وجده على هذه الحالة أمره بالخلوة، وبالذكر، وبتقليل الأكل. فبالخلوة ينقطع عن المبطلين الذين هم في عداد الموتى، وبالذكر يزول كلام الباطل واللهو واللغو الذي كان في لسانه، وبتقليل الأكل يقل البخار الذي في الدم فتقل الشهوة فيرجع العقل إلى التعلق بالله وبرسوله. فإذا بلغ المريد إلى هذه الطهارة والصفاء أطاقت ذاته حمل السر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت