واعلم أن للملائكة خصوصية في توسطهم في الفعل ليست لغيرهم، حتى إنك إذا نظرت بعد الفتح وجدتهم لا يخلو منهم مكان من أمكنة المخلوقات، فتراهم في الحجب وتحتها، وفي العرش وتحته، وفي الجنة وفي النار، وفي السماء وفي الأرض، وفي الكهوف والجبال والأودية وسائر البحار.
قال رضي الله عنه: ولأجل هذا النفع الحاصل بهم في التوسط بين الخلق والحق سبحانه وجب الإيمان بهم دون غيرهم من الموجودات العظام كالحجب ونحوها، والله أعلم.
وكنت أتكلم معه رضي الله عنه ذات يوم، فذكرت له سيدنا سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وما سخر الله له من الجن والإنس والشياطين والريح، وذكرت ما أعطى الله تعالى لأبيه سيدنا داود عليه السلام من صناعة الحديد وإلانته حتى يكون في يده مثل قطع العجين، وما أعطى الله لسيدنا عيسى عليه السلام من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله سبحانه، ونحو ذلك من معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفهم مني كأني أقول له وسيد الوجود صلى الله عليه وسلم فوق الجميع، ولمَ لمْ يظهر على يده مثل ذلك، وأنه وإن ظهر على يده شيء من المعجزات فمن فن آخر.
فقال رضي الله عنه: كل ما أعطيه سليمان في ملكه عليه السلام، وما سخر لداود، وأكرم به عيسى عليه السلام أعطاه الله تعالى وزيادة لأهل التصرف من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله سخر لهم الجن والإنس والشياطين والريح والملائكة، بل وجميع ما في العوالم بأسرها، ومكنهم من القدرة على إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، ولكنه أمر غيبي مستور لا يظهر إلى الخلق لئلا ينقطعوا إليهم فينسون ربهم عز وجل، وإنما حصل ذلك لأهل التصرف ببركة النبي صلى الله عليه وسلم، فكل ذلك من معجزاته عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر أسرار لا تطيقها العقول، والله تعالى أعلم.