الصفحة 459 من 761

قال رضي الله عنه: والسالكون يتجنبون المجاذيب في أمور: منها أن السالك لا يأكل مع المجذوب، لأن المجذوب لا يبالي بما يخرج على لسانه من سب أو غيره، فيجب على السالك أن يتقي ذلك منه؛ ومنها أنه لا يسافر معه لهذه العلة؛ ومنها أنه لا يلبس له ثوبه لأنه لا يتوقى النجاسة؛ ومنها أنه لا يحل للسالك أن يتزوج مجذوبة وكذا العكس.

وأما الشيخ: فإنه قد يتخرج المجذوب على السالك كما في حكاية الصبي فإنه مجذوب وأبوه سالك، وقد يتخرج السالك على المجذوب كما وقع لسيدي يوسف الفاسي فإنه سالك وشيخه سيدي عبد الرحمن المجذوب مجذوب.

فقلت: وكيف يكون هذا والمجذوب مشغول عن نفسه فكيف بغيره حتى يشتغل بتربيته؟

فقال رضي الله عنه: إن الجذب يختلف بالقوة والضعف، فمنهم من يقل جذبه، ومنهم من يكثر بحيث لا يفيق، والله أعلم.

وسمعته رضي الله عنه يقول: إن الأولياء يفعلون أمورا عظيمة، سخرهم الحق سبحانه فيها حتى يتعجب المتعجب من تلك الأفعال، وإذا نظرت بعين الحقيقة وجدت الفاعل لها هو الحق سبحانه، وهم محمولون كغيرهم من المخلوقات من غير فرق.

فقلت: فالأولياء رضي الله عنهم يشاهدون أفعال الحق سبحانه، وإذا كانوا مشاهدين لأفعاله تعالى فكيف يشاهدون الفعل من أنفسهم؟ أم كيف ينسبون ذلك لذواتهم؟

فقال رضي الله عنه: إن الأولياء وغيرهم ممن أكرمه الله تعالى إنما يشاهدون أفعاله تعالى في غيرهم، ولا يطيق أحد من مخلوقات الله تعالى أن يشاهد أفعاله تعالى في ذات نفسه، ولو شاهد الأفعال الربانية في ذاته لذابت ذاته وسالت، وإنما يطيق المخلوق أن يشاهد أفعال الحق سبحانه بالوسائط وفي غير ذاته، أما مباشرة في ذاته فلا يطيق، ولا يطيق المخلوق أن يشاهد الفاعل في ذاته، ولذا خلق تعالى الوسائط وجعل الملائكة ظروفا تظهر فيها أفعاله لئلا تذوب المخلوقات، وإنما أطاقت الملائكة لأن ذواتها أنوار صافية وليست بأجرام ترابية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت