الصفحة 457 من 761

فقلت: فما باله أعطاه عشرة أنصاف ولم يعطه نصف ماله؟

فقال رضي الله عنه: لم ينحصر السائل العارف في ذلك السائل، فلعل عارفا آخر يقصده بعد ذهاب الأول، ثم ثالثا ورابعا وهلم جرا، والمرء سفينة نفسه في تفرقة النصيب الواجب عليه لإخوانه في الله عز وجل.

فقلت: وأي شيء كان سيدي حماد؟

فقال رضي الله عنه: كان من المجاذيب، والرجل المقصود اسمه سيدي إبراهيم كان من السالكين، وكلاهما من العارفين رضي الله عنهما.

فقلت: وما الفرق بين المجذوب والسالك مع اشتراكهما في المعرفة بالله عز وجل؟

فقال رضي الله عنه: المجذوب هو الذي يتأثر ظاهره بما يرى، ويسره ما يشاهده فيجعل يحاكيه بظاهره ويتبعه بحركاته وسكناته، والشخص إذا رحمه الله تعالى وفتح بصيرته لا يزال يشاهد من عجائب الملأ الأعلى ما لا يكيف ولا يطاق، فإن كان مجذوبا فإنه يتبع بظاهره ما يراه ببصيرته، وما يراه ببصيرته لا ينحصر، فلذا لا ينضبط له حال. فإذا رأيت من المجاذيب من يتمايل طربا فإنه غائب في مشاهدة الحور العين، فإن ذلك هو هيئة حركاتهن فظاهره مشتغل بمحاكاة ما يشاهد من أمرهن.

وأما السالك فهو الذي لا يتأثر ظاهره بما يرى، ولا يحاكي شيئا من الحركات التي يشاهدها، بل هو بحر زاخر ساكن لا يظهر عليه شيء، وهو أكمل من المجذوب، وأجره يزيد على أجر المجذوب بالثلث، وذلك أن السالك على قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن ظاهره يتأثر بشيء، ولذا ترى السالكين بعقولهم والمجاذيب لا عقول لهم في الغالب، لأن ظاهرهم إذا اشتغل بمحاكاة ظاهر غيرهم ضاع ظاهرهم الذي كان لهم في أصل الخلقة قبل الفتح فضاعت عقولهم تبعا لذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت