فلله در هذا الإمام ما أحسن سياسته، إذ ما من حالة خبيثة يريد أن ينقلني منها إلا وينقلني وأنا لا أشعر حتى أجد نفسي فيما هو أطيب منها وأحسن، ويظهر لي خبث الحالة الأولى وظلامها عيانا، وهذا دأب هذا الإمام العظيم معي ومع سائر إخواني بحيث إذا وجدك على حالة قبيحة لا يقول لك اترك هذا الأمر صراحة ويشنع عليك في ذلك ويتبرأ منك إذا لم تترك، إذ ربما تأبى النفس ذلك ويدعوها ذلك إلى المخالفة بل يرفق بك ويحسن لك ما أنت عليه بعض التحسين، ثم يسارك شيئا فشيئا حتى تجد نفسك على حالة لم تكن عليها، وتستقبح ما كنت عليه مع انشراح صدر وطيب نفس، ولما أمرني رضي الله عنه ببيع الثيران بقيت أياما وغسل الله قلبي حب الفلاحة، بل صرت كارها لها، ثم أمرني ببيع ما عندي من الكتب كلها وأن أفعل بها شيئا يحبه قلبي وتفرح به نفسي، ثم بعد ذلك حصل لي طمع في الناس وصرت أتشوق لما في أيديهم، فرقاني رضي الله عنه حتى صرت لا أشاهد للناس نفعا ولا ضرا فضلا عن الطمع فيهم.
ومن كشوفاته رضي الله عنه أن قال لي ذات يوم في أول ما لقيته: هل عندك شيء من السمن؟ فقلت نعم سيدي، عندي كذا وكذا، فقال ائتني ببعضه، فقلت نعم، فقال بعض الإخوان لعل ما بقي من السمن لا يوصل إلى وقت رخاء السمن. فقلت نعم، فقال رضي الله عنه: هل بقي ما يوصلك إلى الوقت الفلاني؟ قلت نعم.، فقال ائتني بما زاد على ذلك، ثم إنه لما وصل ذلك الوقت أتاني رجل بشيء من السمن لوجه الله من حيث لا أحتسب فكفاني إلى رخائه.
ومنها أني كنت أستشيره رضي الله عنه ونفعني به في بيع شيء من الزرع كان عندي، فقال لي اليوم الخامس من الشهر الفلاني بع ما تريده، فلما وصل ذلك الشهر كان غاية بيع الزرع في اليوم الخامس والسادس منه، فلما كان اليوم السابع أعطى الله المطر الغزير فرخص الزرع غاية والحمد لله.