فقلنا له: أعطنا هذه الدنانير والريالات، فإنه لا حاجة لك بها، لأنك لا تنوي أن تبني بها دارا ولا أن تتزوج بها ولا أن تكتسي بها، فما لك بها من حاجة، فنأخذهنا نحن فلنا بها حاجة. فأبى وقال: دراهمي لا أعطيها لكم. قال: وبقينا معه ساعة طويلة بقصد أن نعلمه شرائع الإسلام، ثم ودعناه وانصرفنا، فلما رآنا نمشي على ظهر الماء بأرجلنا ولا يصيبنا من الماء شيء ولم يحصل لنا غرق جعل يستعيذ بالله منا وظن أننا من الشياطين.
قال رضي الله عنه: وهو إلى الآن في جزيرته في قيد الحياة، وذلك في الثاني من ذي الحجة مكمل تسعة وعشرين ومائة وألف.
قلت: وفي هذه الحكاية مواعظ:
الموعظة الأولى: معرفة النعمة الحاصلة لنا في مخالطة المؤمنين، فإن ذلك يوصلنا إلى معرفة شرائع الإسلام، وأحوال النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرته وسيرة أصحابه رضي الله عنهم، وكيف كان زمانه صلى الله عليه وسلم وزمان أصحابه رضي الله عنهم، إلى غير ذلك من الأمور التي يزيد بها الإيمان، فإن هذا الرجل لما فاتته مخالطة أهل الإسلام فاتته معرفة هذه الأحوال، حتى قلت لشيخنا رضي الله عنه: لقد أضرَّ به أبوه الذي قدم به إلى هذه الجزيرة وقطعه عن أهل الإسلام، ولو تركه معهم لكان خيرا له وأسعد به. فقال لي: صدقت، فها هنا تعرف قيمة المؤمنين ولو كانوا عصاة، فإن معرفتهم بالدين وشرائع الإسلام لا يعدلها شيء، فالحمد لله على مخالطة أهل الإسلام ومزاحمتهم في الأسواق ونحوها، ولا سيما المزاحمة في مواطن الخير، ولهذا يقول الشيخ مولانا عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه: إن النظر في وجوه المؤمنين يزيد في الإيمان.