الصفحة 435 من 761

الموعظة الثانية: معرفة النعمة التي أنعم الله بها علينا في الأكل والشرب، والكسوة، والنوم والراحة، والنكاح والتناسل، وغير ذلك من النعم التي حرمها هذا المتعبد، فإنه كما حرم معرفة هذه النعمة حرم هذه النعم أيضا، ولو خالط أهل الإسلام لتنعم بهذه النعم وشكر الله عليها، وكان شكره عليها موفيا وقائما بعبادته في تلك الجزيرة طول عمره.

الموعظة الثالثة: ما يغتر به كثير من الناس في أمر المنقطعين في الفلوات والخلوات، واعتقادهم الكمال فيهم، وأن المقام الذي يبلغونه لا يبلغه الأولياء العارفون المنغمسون في الناس.

وقد سمعت الشيخ رضي الله عنه يقول: إني أنظر أحيانا إلى أنوار الإيمان الخارجة من الذوات حتى تتصل بالبرزخ، وهي أنوار مختلفة بالرقة والغلظ، والرقة تدل على ضعف الإيمان، والغلظ على قوته، ثم ننظر إلى العباد الذين في الكهوف والفلوات فنرى الرقة غالبة على أنوراهم إلا من قلَّ منهم، وننظر إلى العامة فنرى أنوارهم أحسن من أولئك المنقطعين، لاعتماد العوام على فضل الله سبحانه واعتماد العباد غالبا على عبادتهم.

قال رضي الله عنه: والعابد لا ينجو من عبادته إلا إذا كان يراها من ربه باطنا، ويدوم ذلك على فكره، فإن غاب ذلك عن فكره وجعل يراها منه فهو إلى العطب أقرب منه إلى السلامة.

ولما سمعت من شيخنا رضي الله عنه هذه الحكاية، حصل لي رقة وخشوع بمعرفة النعم التي أنعم الله بها علينا، ونحن عنها غافلون.

ثم قلت للشيخ رضي الله عنه: ولم لم تأخذوا بيد هذا الرجل وتخرجوه من الجزيرة إلى مدينة من مدن الإسلام ليرتاح ويرحمه الله تعالى؟

فقال رضي الله عنه: ذلك مقامه الذي أقامه الله فيه، فسبحان من له هذا الملك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت