قال: فالمغفرة في حق النبي صلى الله عليه وسلم تراد بمعنى العدم، والذنب في حقه صلى الله عليه وسلم يراد بمعنى المصدر وبمعنى الحقيقة، ولا شك أن مغفرة كل منهما أي طيه عن العدم تستلزم مغفرة الأثر بخلاف العكس. فلهذا لا يصح أن يكون الذنب في حقه بمعنى الأثر، لأن محو الأثر وطيه عن العدم لا يستلزم رفع حقيقة الذنب الذي هو المخالفة، ولأن محو الأثر مع بقاء حقيقة المخالفة ينافي العصمة، ولأنه يشاركه في هذا القدر لو كان مرادا آحاد العصاة. فإن أريد بالذنب في الآية الحقيقة التي هي المخالفة كانت (من) في قوله) مِنْ ذَنْبِكَ(بمعنى عن، أي ليغفر الله ما تقدم عن ذنبك وهو المصدر، وما تأخر عنه وهو الأثر. وإن أريد بالذنب الحقيقة والمجاز كان المراد بالمتقدم هو الحقيقة، وبالمتأخر هو الأثر المجاز. وفاته رحمه الله تعالى تفسير الفتح بما قاله الشيخ، وذلك هو روح المسألة، فإنه فسره بالقضاء ولم يبين المقضي به ما هو ليصح تفرع ما بعده عليه، كما لا يخفى ذلك على من طالع كلامه.
وقد ألف في المسألة الحافظ السيوطي جزءا لطيفا جمع فيه أقوال العلماء، وكذا الشريف المتقدم أبو يحيى بن أبي عبد الله الشريف التلمساني. وقد جمع بين هذين التأليفين الشيخ أبو العباس سيدي أحمد بابا السوداني في تأليف له في هذه المسألة، رحم الله الجميع بمنه وكرمه ونفعنا بهم وبعلومهم آمين، والله تعالى أعلم.
وسألته رضي الله عنه عن قوله تعالى:)عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (الآية، وقوله تعالى:) إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ (الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم:"فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ". كيف يجمع بين هذا وبين ما يظهر على الأولياء العارفين رضي الله عنهم من الكشوفات والأخبار بالغيوب بما في الأرحام وغيرها، فإنه أمر شائع في كرامات الأولياء رضي الله عنهم.