فقال رضي الله عنه: الفتح يختلف بالقوة والضعف، فكل على ما يطيق، والقوة التي في النبي صلى الله عليه وسلم عقلا وروحا ونفسا وذاتا وسرا وحفظة لم تثبت لغيره، حتى لو جمع أهل الفتح كلهم من الأنبياء وغيرهم وجعلت القوة المشار إليها عليهم لذابوا جميعا وتهافتت ذواتهم، والمراد بقوله بالذنب في قوله تعالى) مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ (سببه وهو الغفلة وظلام الحجاب الذي في أصل نشأة الذات الترابية. قال: وهذه الغفلة والحجاب للذنوب بمثابة الثوب العفن والوسخ لنزول الذباب عليه، فمتى كان ذلك الثوب على أحد نزل عليه الذباب، ومتى زال عنه ذلك الثوب زال عنه الذباب، فالثوب مثال الحجاب، والذباب مثال للذنوب، فمن سمى ذلك الثوب ذبابا فهي تسمية سائغة، فكذلك المراد هنا بالذنب هو الحجاب، والمراد بما تقدم وما تأخر الكناية عن زواله بالكناية، فكأنه يقول: إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليزول عنك الحجاب بالكلية، ولتتم النعمة منا عليك، ولتهتدي وتنصر، فإنه لا نعمة فوق نعمة زوال الحجاب، ولا هداية فوق هداية المعارف، ولا نصرة أبلغ من نصرة من كانت هذه حالته.
فقلت: وهل هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم. فقلت: ولم؟ فقال: لأنه عين كل شيء.
فقلت: ولذلك تقول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في المحشر، ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قلت: وهذا الذي قاله الشيخ رضي الله عنه من أنفس المعارف، وألطف اللطائف، وأليق بالجناب النبوي، وأبلغ في التنزيه والتعظيم، وأوفق للعصمة المجمع عليها، وأوفى بحق النبي صلى الله عليه وسلم، وأنسب بترتيب الآية وحسن سياقها، فجزاه الله عنا أفضل الجزاء.