وقال لي رضي الله عنه مرة أخرى: إنما ذكر قوله) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (لإثبات ما قبله وتصحيح ما نسب لجبريل عليه السلام، فكأنه يقول: وهذا الذي قلناه في حق جبريل جاءكم به من عند من تعلمون صدقه وأمانته ومعرفته بما يقول، والمخبر إذا كان على هذه الصفة وثق بخبره، وليس هو بمجنون حين يتكلم بما لا يعلم، فالغرض من قوله) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ(إدخال ما قبله في عقول المخاطبين لا تعريف حالة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقال إنه اقتصر في تعريفه على هذه الصفة السلبية، وأتى في تعريف حال جبريل عليه السلام بأوصاف عظام، والله تعالى أعلم.
وسألته رضي الله عنه عن قوله تعالى:)وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا(ما هذا الإستثناء من شعيب عليه السلام، فإن الإستثناء يقتضي الشك وعدم الثبوت على الحالة التي هو عليها.
فقال رضي الله عنه: هذا الإستثناء محض رجوع إلى الله تعالى، وذلك هو محض الإيمان، لأن أهل الفتح ولا سيما الرسل عليهم الصلاة والسلام يشاهدون فعل الله تعالى فيهم، وأنه لا حول لهم ولا قوة، وأن الفعل الذي يظهر على ذواتهم إنما هو من الله تعالى، فإذا استثنى صاحب هذه الحالة فقد غرق في بحر العرفان وأتى بأعلى درجة الإيمان، والله تعالى أعلم.
وسألته رضي الله عنه عن قوله تعالى:)وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (لم أقسم على تصحيح رسالته عليه الصلاة والسلام بالنجم مع أن النجم حجر من الأحجار؟ وأي مناسبة بينه وبين نور الرسالة حتى وقع به القسم عليها؟
فقال رضي الله عنه: لم يقع القسم بالنجم من حيث إنه نجم وحجر، بل من حيث نور الحق الذي فيه، ونور الحق الذي فيه هو نور الإهتداء به في ظلمات البر والبحر.