ثم بيَّن ذلك بضرب مثال، فقال: لو أن رجلين خرجا مسافرين فضلَّا عن الطريق، وعدما الزاد والرفيق، حتى أيقنا بالهلاك، وعدما الخلاص والفكاك. فأما أحدهما فكانت له معرفة بالنجم الذي يهتدي به إلى جهة سفره، فرصده إلى أن كان الليل فتبعه إلى أن بلغ غاية قصده ونهاية مراده، ونجاه الله تعالى؛ وأما الآخر فلم تكن له معرفة بالنجم ولا كيف يهتدي به، ولا قلد صاحبه في معرفته، فهو لا يزال يتخطى في أودية الضلال إلى أن يهلك، وبعد هلاكه يرجع كالحممة بسبب ما يمر على ذاته من الحر والقر. وهكذا حالة الناس مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو بين هذين الرجلين. ففريق آمنوا به وصدقوه واتبعوه، فبلغوا به إلى جنة النعيم، وما لا يكيف من العطاء الجسيم، كما بلغ الرجل الأول إلى موضع الزاد والرفيق، فأصاب من النعيم والظل الظليل مراده وحاجته. وفريق كذبوه فلم يزالوا في سخط الله حتى ماتوا فأحرقتهم جهنم بحرها وزمهريرها كما أحرقت ذات الرجل الثاني بالحر والقر. فوقعت المشاكلة بين المقسم به والمقسم عليه، وفي الحقيقة وقع القسم بفرد من أفراد نور الحق الذي يعرفونه على فرد آخر لا يعرفونه.
فقلت: فما المراد بقوله) إِذَا هَوَى(؟
فقال رضي الله عنه: المراد زال عن وسط السماء، لأنه إذا كان في وسط السماء لا يهتدي به أحد، لأنه حينئذ واقف غير مائل إلى جهة من الجهات فلا يتأتى به استدلال، والله تعالى أعلم.
قلت: وللمفسرين رضي الله عنهم في الآية أقوال كثيرة، قد استقصاها نجم الدين الغيطي في تأليفه في الإسراء والمعراج، وهو تأليف جليل. وإذا وقفت عليه علمت نباهة ما أشار إليه الشيخ رضي الله عنه، ولولا الإطالة والخروج عن الغرض لجلبناها، والله أعلم.
وسمعته رضي الله عنه يقول في قوله تعالى:)الصَّمَدُ (هو اسم تسقى منه جميع المخلوقات: الشجر، والحجر، والمدر، وما فيه روح، وما لا روح فيه، والله أعلم.