الصفحة 31 من 761

فقال رضي الله عنه: الواجب فيها التفويض وشأن الربوبية عظيم، ولا يقدر العباد قدرها ولا يطيقون الوصول إلى شيء من كنهها، قال: ولو أن أهل الدنيا أرادوا الوقوف على حقيقة ما سمعوا في نعيم أهل الجنة ما أمكنهم ذلك، فإن العنب ليس كالعنب، والتمر ليس كالتمر، والذهب ليس كالذهب، ولو فتح الله على عبد ونظر إلى ذهب أهل الجنة وذهب الدنيا وعنب الجنة وعنب الدنيا لوجد المعاني متباينة إلى الغاية ولم يجد بينهما اشتراكا إلا في مجرد الأسامي، وكذا أهل الأرض الثانية بالنسبة إلى نعيم أهل الأرض الأولى، فإنه لو سمي لهم العسل والسمن واللبن والخبز ونحوها بأسماء بعض ما يأكلون، فإنهم لا يبلغون إلى معرفة العسل وما ذكر معه، وذلك أن هذه الأشياء مفقودة في الأرض الثانية، فإذا كان هذا في الحادث مع الحادث فكيف بالقديم سبحانه مع الحادث؟

فالواجب على العباد إذا سمعوا شيئا من أحاديث الصفات أن ينزهوه تعالى عن الظاهر المستحيل ويفوضوا معناه إلى الله عز وجل.

قلت: والتفويض هو قول مالك وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد وحماد بن سلمة، وشعبة وشريك، وأبي عوانة وربيعة والأوزاعي، وأبي حنيفة والشافعي، وأحمد بن حنبل، والوليد بن مسلم، والبخاري والترمذي، وابن المبارك، وابن أبي حاتم، ويونس بن عبد الأعلى. وهو قول أهل القرون الثلاثة الذين هم خير القرون، حتى قال محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير.

وقال إمام الحرمين في الرسالة النظامية: اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تفسيرها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن. وذهب أئمة السلف إلى الإنكفاف عن التأويل وتفويض معانيها إلى الله عز وجل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت