قال رضي الله عنه: وأعرف رجلا من فاس يعني نفسه، ذهب إلى أخ له في الله من أهل البصرة يعني سيدي محمد بن عبد الكريم السابق وكان قاضيا، فجلس معه. فجاء رجلان يختصمان فقال أحدهما: إن خصمي أخذ مني ياقوتة تساوي مالا عظيما عريضا وهي عنده، فقال خصمه: إني أعطيته التفتيش في لباسي وجميع ما عليّ وأزيد الحلف بالله ما هي عندي. فأراد القاضي أن يحكم بذلك، فقال له جليسه: لا تحكم بينهما. ثم التفت الجليس إلى الخصمين فقال: إن هذا يعني القاضي، أخونا في الله، وقد صنع لنا طعاما فنريد منكما أن تحضراه، فإذا أكلنا الطعام نظر القاضي بعد ذلك في أمركما. قال: فذهبنا مع القاضي، فلما حضر الطعام جعل الجليس والقاضي يرمقان المدعى عليه حينئذ. قال: فتنخم ومسح نخامته في سبتية كانت معه. قال: فأخذها من يده، فإذا الياقوتة خرجت مع النخامة، فأعطيناها للمدعي.
قال رضي الله عنه: فهذه حيلة في رد الباطن ظاهرا، ولو حكم أولا بالتفتيش واليمين لكان حكمه صوابا، وإن كان يعلم بطريق الكشف أنها عند المدعى عليه، فإن الله لم يكلفه بذلك، وجليسه استعمل الحيلة حتى رد الباطن ظاهرا.
فقلت: فهل القاضي كان يعلم بالكشف أنها عند المدعى عليه؟
فقال رضي الله عنه: نعم كان يعلم ذلك هو والجليس.
قال: فهذا نظير ما وقع بين هذين النبيين الكريمين في القصص الثلاث. ففي القصة الأولى حكم به داود للكبرى لأجل الحوز والحوز يقضي به، وحكم في الثانية بالرجم لأجل الشهادة، وفي الثالثة حكم به أيضا لأجل وجود العلامة. وسليمان تحيل في القصص الثلاث حتى رد الباطن ظاهرا، والله تعالى أعلم.