فاستفدتُ منه في ذلك الوقت أنه رضي الله عنه هو الغوث، وعلومه رضي الله عنه دالة على ذلك، فإني لو قيدت جميع ما سمعت منه لملأت أسفارا، وكم مرة يقول: جميع كلامي معكم على قدر ما تطيقه العقول.
قال: وأهلك الله عادا الأولى أصحاب هويد بالحجارة والنار، وذلك أن الله تعالى أرسل عليهم حجارة من السماء، فاشتغلوا بها وجعلوا يهربون منها، فأخرج الله لهم نارا فأحرقتهم.
وسمعته رضي الله عنه يقول: كان قبل نوح سبعمائة رسول من الأنبياء وفي قصصهم من العجائب الكثيرة، وإنما لم يقص الله علينا في كتباه العزيز منها شيئا لعدم اشتهار أهلها في أزمنة الوحي.
فقلت: فما معنى قوله في حديث الشفاعة في صفة نوح وأنه أول الرسل؟
فقال رضي الله عنه: المراد أنه أول الرسل إلى قوم كافرين، ومن قبله من المرسلين أرسلوا إلى قوم عقيدتهم صحيحة.
فقلت: فلم عوقب قوم هويد بالحجارة والنار إذا كانوا مؤمنين؟
فقال رضي الله عنه: كانت عادته تعالى مع القوم الذين قبل نوح أن يهلكهم على ترك أكثر القواعد وإن كانوا على العقائد.
وَسَأَلْتُهُ رضي الله عنه عن قوله تعالى:) وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا(.
فقلت: استدل بهذه القصة من قال إن المصيب واحد، وإن المخطئ معذور بل مأجور إذا بذل اجتهاده ووسعه. فإن داود عليه السلام حكم بإعطاء الغنم لأرباب الحرث يأخذونها قبالة حرثهم الذي أفسدوه، وسليمان عليه السلام حكم بإعطاء الغنم لرب الحرث يستغلها، وأعطى الحرث لرب الغنم يقوم عليه حتى يصلحه كما كان قبل رعي الغنم، فإذا صلح دفع الحرث لأهله ودفعوا له غنمه، فصوب الله سليمان حيث قال)فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ (.