وذكرت اضطراب كلام المفسرين فإنهم يقولون إن هودا عليه السلام هو الذي بعث إلى عاد، وأنه كان قبل إبراهيم عليه السلام بكثير، ثم ذكروا في قصة هلاك قومه وفادة نفر منهم إلى حرم الله مكة يستسقون، ومكة إنما بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام. فأشكل أمر القصة على كثير من الناس حتى ذهبت طائفة إلى أنه لم يكن إلا عاد واحدة، وإنما وصفت بالأولى رعاية لثمود فالثانية هي ثمود. وذهبت طائفة أخرى إلى تعدد عاد، فالأولى هي التي أرسل إليها هود وعذبت بالريح، وعاد الثانية أرسل إليها نبي آخر وعذبوا بغير الريح، وهم الذين وفد بعضهم إلى مكة، ولم يعينوا النبي ولا العذاب. ويشكل عليهم ما في سورة الأحقاف، فإن القصة فيها أصحاب الوفد وعذابهم بالريح وصاحبهم هود لقوله تعالى:) وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ (، وقال في آية أخرى:) وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا (.
وإنما قلنا إن القصة في سورة الأحقاف لأصحاب الوفد، لما أخرجه أحمد بإسناد حسن عن الحارث بن حسان البكري قال:
خرجت أنا والعلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث، وفيه: فقلت: أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوفد عاد، فقال: وما وفد عاد؟ وهو أعلم بالحديث ولكنه يستطعمه، فقلت: إن عادا قحطوا، فبعثوا قيل بن عنز إلى معاوية بن بكر بمكة يستسقي لهم، فمكث شهرا في ضيافته. فلما كان بعد شهر خرج فاستسقى لهم فمرت به سحابتان، فاختار السوداء منهما فنودي خذها رمادا لا تبقي من عاد واحدا. وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه بعضه. وانظر ابن حجر في سورة الأحقاف.
وفي رواية أخرى: خرج قيل بن عنز ومرثد بن سعد في سبعين من أعيانهم، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة وسيدهم معاوية بن بكر. فذكر القصة إلى أن قال في آخرها: فقال مرثد بن سعد يا قوم إنكم لا تسقون بدعائكم حتى تطيعوا رسولكم. فقال قيل لمعاوية: احبسه عنا لا يخرج معنا، فإنه قد آمن بهود وصدقه.