فقال رضي الله عنه: كل ما ذكرتم في البصر صحيح، وفي السمع فائدة واحدة تقوم مقام ذلك كله، وتزهو على جميع ما ذكرتم، وهي أن الرسول عليه الصلاة والسلام ومرسله عز وجل وسائر الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها إنما تدرك بالسمع، ويلزم من ذلك أن جميع الشرائع متوقفة على السمع. وبيان ما ذكرناه أنا لو فرضنا بني آدم لا سمع عندهم أصلا، فإذا جاءهم رسول من عند الله فقال لهم) إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ (، فهذا الصوت لا يرى ولا سمع لهم حتى يسمعوا مقالته فيبقى عاطلا، فإذا قال لهم وآية صدقي معجزة كذا وكذا، لم يسمعوه فيبقى عاطلا، فإذا قال لهم وقد أمركم الله عز وجل أن توحدوه ولا تشركوا به شيئا، لم يسمعوه وبقي أيضا عاطلا، فإذا قال لهم وأمركم أن تؤمنوا بي وبجميع رسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر، لم يسمعوه وبقي أيضا عاطلا، فإذا قال لهم وأوجب عليكم من الأمور كذا وكذا، وحرم عليكم منها كذا وكذا، وأباح لكم منها كذا وكذا، لم يسمعوه وبقي عاطلا. فظهر أنه لو لم يكن سمع ما عرف رسول ولا مرسل، ولا وقع إيمان بغيب ولا بشهادة، ولا صح اتباع شريعة، ويلزم أن لا يكون ثواب ولا عقاب، فترتفع الجنة ونعيمها، والنار وجحيمها، لأنه لا ثواب ولا عقاب حتى يبعث الرسول، لقوله تعالى:) وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (، والبعثة لا تصح مع انتفاء السمع.
وبالجملة فبنو آدم لو لم يكن لهم سمع لسقط التكليف وكانوا في درجة البهائم، فبالسمع استوجبوا الدرجة العليا ولحق من لحق منهم بالملأ الأعلى.
فظهر أن السمع أقوى فائدة وأعم نفعا لأن أسرار الربوبية موقوفة عليه، فلذا قدم في الآيات السابقة التي سبقت مساق الإمتنان، لأن المنة به أقوى من المنة بالبصر، والله تعالى أعلم.
قلت: فانظر وقد وفقك الله إلى حسن هذا الجواب، فإني لما سمعته جعلت أتعجب من نفسي كيف خفي علي هذا الجواب مع ظهوره الغاية، ولا هادي إلا الله سبحانه.