الصفحة 270 من 761

وسألته رضي الله عنه عن قوله تعالى:) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ(، فقلت: إن الآية تقتضي أن بعض ما أنزل إليه بأحسن، مع أن القرآن كله أحسن.

وذكرت له أجوبة العلماء رضي الله عنهم: منها أن من ظلم يجوز له الإنتقام لقوله تعالى)فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ (، والأحسن له الصبر لقوله تعالى) وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (، فكأنه يقول اتبعوا العفو دون العقوبة، فالعقوبة حسنة والعفو أحسن. ومنها أن المراد بالأحسن الناسخ، والحسن المنسوخ. ومنها أن الله تعالى حكى لنا عن عباده أن منهم من أطاع ومنهم من عصى، فنتبع من أطاعه فهو الأحسن. ومنها أن المراد اتبعوا المأمور به دون المنهي عنه. ومنها أن المراد اتبعوا العزائم دون الرخص، فالأحسن هو العزائم، والحسن هو الرخص.

ثم قلت: إن هذه الأوجه لا مناسبة فيها للآية.

أما الأول: فإن سياق آخر الآية يقتضي أن من لم يتبع الأحسن يخاف أن تنزل به قارعة من عذاب الله، وإنه من الساخرين والكافرين، ومن لم يعف لا يكون هذا حكمه.

وأما الثاني: فإن أريد أن المنسوخ حسن باعتبار اتباعه فليس كذلك، إذ ما نسخ العمل به لا يجوز اتباعه، وإن أريد من حيث التلاوة فهو والناسخ من الأحسن.

أما الثالث: فإن من عصى لا يحل اتباعه فضلا عن أن يحسن.

ومثله يقال في المنهي عنه.

وأما الرخص فإنها وإن كانت حسنة لكن مرتكبها لا يستحق الأوصاف التي في آخر الآية، بمثابة من لم يعف في الوجه الأول، فإنه أيضا لا تتنزل عليه الأوصاف التي في آخر الآية.

وبالجملة فالأحسن في الأول والخامس لا يناسبان آخر الآية، والأحسن في الأوجه الباقية فأشكل الأحسن في الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت