فهو بين هذين الأمرين دائما، لكن تارة يقوى الجاذب الإيماني فتجده يستحضر معنى الآية السابقة ساعة وساعتين، وتارة يقوى الجاذب الطبعي فتجده يغفل عن معناه اليوم واليومين. وفي أوقات الغفلة ينتفي اليقين الخارق للعادة، فلهذا لم يقع ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الصحابة رضي الله عنهم فاتهم اليقين الخارق الذي اشتمل عليه باطنه صلى الله عليه وسلم، وبحسبه خرج كلامه الحق وقوله الصدق. ولما علم صلى الله عليه وسلم العلة في عدم وقوع ما ذكر، وعلم أن زوال تلك العلة ليس في طوقهم رضي الله عنهم أبقاهم على حالتهم وقال"أنتم أعلم بدنياكم".
قلت: فانظر وفقك الله هل سمعت مثل هذا الجواب أو رأيته مسطورا في كتاب، مع إشكال الحديث على الفحول من علماء الأصول وغيرهم مثل جمال الدين بن الحاجب، وسيف الدين الآمدي، وصفي الدين الهندي، وأبي حامد الغزالي، رحمهم الله تعالى.
وسألته رضي الله عنه عن حديث"إِذَا أُذِّنَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ".
فقال رضي الله عنه: إنما أدبر لأن الأذان إذا خرج من الذات الطاهرة ملأ نوره جميع الفراغ الذي يبلغه صوت الأذان، والنور بارد والشيطان خلق من مارج من نار، والبرودة والنار ضدان.
ويقرب من هذا ما سمعته رضي الله عنه يقول: إن الجن في جهنم لا تعذب بالنار لأنها طبعه يعني بالنار النار الحارة، وإذا كانت طبعه فإنها لا تضره، وإنما يعذب بالبرد والزمهرير، يعني النار البادرة. وإن الجن في الدنيا يخاف من البرد خوفا شديدا، أفتراهم إذا كانوا في زمن الصيف في الهواء يتخوفون من هبوب الرياح الباردة، فإذا هبت فروا فرار حمر الوحش. وأما الماء فلا يدخله الجن والشياطين أبدا، فإن قدر على واحد أن يدخله طفئ وذاب كما يحترق أحدنا إذا دخل النار ويذوب.