فقال رضي الله عنه: قوله صلى الله عليه وسلم"لو لم تفعلوا لصلحت"كلام حق وقول صدق، وقد خرج منه هذا الكلام على ما عنده من الجزم واليقين بأنه تعالى هو الفاعل بالإطلاق، وذلك الجزم مبني على مشاهدة سريان فعله تعالى في سائر الممكنات مباشرة بلا واسطة ولا سبب، بحيث إنه لا تسكن ذرة، ولا تتحرك شعرة، ولا يخفق قلب، ولا يضرب عرق، ولا تطرف عين، ولا يومئ حاجب، إلا وهو تعالى فاعله مباشرة من غير واسطة. وهذا أمر يشاهده النبي صلى الله عليه وسلم كما يشاهد غيره سائر المحسوسات، ولا يغيب ذلك عن نظره لا في اليقظة ولا في المنام، لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينام قلبه الذي فيه هذه المشاهدة. ولا شك أن صاحب هذه المشاهدة تطيح الأسباب من نظره، ويترقى عن الإيمان بالغيب إلى الشهود والعيان، فعنده في قوله تبارك وتعالى:) وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (مشاهدة دائمة لا تغيب، ويقين يناسب هذه المشاهدة، وهو أن يجزم بمعنى الآية جزما لا يخطر معه بالبال نسبة الفعل إلى غيره تعالى، ولو كان هذا الخاطر قدر رأس النملة. ولا شك أن الجزم الذي يكون على هذه الصفة تخرق به العوائد وتنفعل به الأشياء، وهو سر الله تعالى الذي لا يبقى معه سبب ولا واسطة، فصاحب هذا المقام إذا أشار إلى سقوط الأسباب، ونسبة الفعل إلى رب الأرباب، كان قوله حقا وكلامه صدقا. وأما صاحب الإيمان والغيب فليس عنده في قوله تعالى:) وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (مشاهدة، بل إنما يشاهد نسبة الأفعال إلى من ظهرت على يده، ولا يجذبه إلى معنى الآية ونسبة الفعل إليه تعالى إلا الإيمان الذي وهبه الله تعالى له. فعنده جاذبان أحدهما من ربه وهو الإيمان الذي يجذبه إلى الحق، وثانيهما من طبعه وهو مشاهدة الفعل من الغير الذي يجذبه إلى الباطل.