قلت: وقد أخرجه مسلم في صحيحه، وتكلم فيه شيوخ الحديث عياض والنووي والعراقي رحمهم الله بقريب من كلام شيخنا رضي الله عنه، ولكن كلام الشيخ رضي الله عنه كلام من يشاهد ويعاين.
قال رضي الله عنه: وليس في طوق الخلائق أجمعين أن يقدروا على الدوام على المشاهدة الأولى والثانية، ولا بد لهم من النزول إلى الثالثة ليستريحوا، فكان صلى الله عليه وسلم إذا نزل إليها يستغفر الله ويعد ذلك ذنبا، في أسرار أخر أبداها الشيخ رضي الله عنه لا سبيل إلى إفشائها.
ولما سمعت منه هذه المشاهدات الثلاث، وقال إن كلامه عليه الصلاة والسلام لا يعدوها، وأنه لا يشكل كلامه عليه الصلاة والسلام إلا على من لم يعرفها، وأنه عليه الصلاة والسلام لا يقول إلا الحق ولا يتكلم إلا بالصدق في سائر أموره وفي جميع أحواله، سألته عما أشكل على فهمي من الحديث:
فسألته رضي الله عنه عن حديث تأبر النخل الذي في صحيح مسلم حيث مر عليهم وهم يؤبرون النخل فقال عليه الصلاة والسلام:
"مَا هَذَا؟ فَقَالُوا بِهَذَا تَصْلُحُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَتْ. فَلَمْ يُؤَبِّرُوهَا فَجَاءَتْ شِيصًا غَيْرَ صَالِحَةٍ، فَلَمَّا رَآهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: مَا بَالُ التَّمْرِ هَكَذَا؟ قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ قُلْتَ لَنَا كَذَا وَكَذَا فَقَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِدُنْيَاكُمْ".