الصفحة 257 من 761

ثم قال رضي الله عنه: ومثال المشاهدة الأولى التي قلنا إن لذتها مثل لذة أهل الجنة، مثل ما يلقي الملك المعروف بالسطوة والقهر، وله سلاح وآلة قتل، وغير ذلك من الأمور المفزعة، ثم إن الملك أزال السلاح ووضع آلة القتل ونزل عن فرسه ودعا رجلا من مملكته وجعل ينبسط معه ويتعاطى معه أسباب الفرح والسرور، وبلغ معه في ذلك الغاية إلى أن نام معه في ثوب واحد، فليت شعري كيف يكون السرور الداخل على هذا الرجل؟ وهل يقدر أحد قدره أو يمكن واصف أن يبلغ كنهه؟ وهذا مثل تطيقه العبارة بإشارتها إلى تلك المشاهدة مع الجزم ببعدها من هذا المثال البعد الذي لا قرب معه بوجه ولا بحال.

قال رضي الله عنه: وصاحب هذه المشاهدة في سكون ودعة وطيب نفس وانشراح صدر مع كون لذتها سارية في عروقه ولحمه ودمه وعظمه وشعره وبشره وجميع جواهر ذاته. حتى إنا لو فرضنا أنا أخذنا شعرة واحدة منه ونظرنا إلى اللذة التي فيها، وجدناها تساوي اللذة التي في عقله وقلبه لا تنقص لذتها عن لذتهما. حتى إنا لو جعلنا أحسن لذة في الدنيا وهي لذة الوقاع جزءا من ستمائة ألف ألف ألف جزء، وجعلنا مجموع هذه الأجزاء جزءا من سبعين ألف جزء، وجعلنا مجموع ذلك عشر هذه اللذة ما قارب ذلك شيئا من هذه اللذة.

قال رضي الله عنه: ومثال المشاهدة الثانية، مثال من خرج على الملك ولكن لقيه بسلاحه وسطوته وقهره. فاللذة السابقة وإن حصل منها شيء في هذه المشاهدة، فمعها خوف ووجل لا يطاق، فإن من يشاهد الملك على فرسه وحربته في يده وهو يهزها ويتوعد، فلا تسأل عن الوجل الحاصل له.

قال: والمشاهدة الأولى معها شبه منام، والثانية معها يقظة لأجل الإنزعاج الحاصل بمشاهدة القهر وسطوة الذات.

قال رضي الله عنه: وإلى المشاهدة الثالثة بقوله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللهَ"الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت