فجميع ما ينطق به النبي صلى الله عليه وسلم لا يعدو هذه المشاهدات، فتارة يكون على الأولى، وتارة على الثانية، وتارة على الثالثة. والحديث المذكور خرج على الثانية، فإنه عليه الصلاة والسلام كان غائبا في مشاهدة الذات وقوتها، وهو غائب عن نفسه فضلا عن غيره، فلما قالوا له: يا رسول الله احملنا، وصادفوه في هذه المشاهد، قال لهم:"وَاللهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ وَلَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ"، وهو كلام حق. فلما رجع إلى مشاهدة الكائنات وصادف ذلك مجيء الإبل له، جرى على حكم هذه المشاهدة وما تقتضيه من اتباع الأوامر والقيام بحق الخلق، فقال"أين الأشعريون؟"فدعوا، فأعطاهم. فقالوا: يا رسول الله إنك حلفت أن لا تعطينا وقد أعطيتنا، فأجابهم صلى الله عليه وسلم بما يقتضي أن حلفه أولا كان على ما تقتضيه تلك المشاهدة التي كان عليها حينئذ، فقال:"مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَمَلَكُمْ". أي أني حلفت على أني لا أحملكم ولا عندي ما أحملكم عليه، وهذا هو الكائن، فإن الحامل لكم هو الله تعالى لا أنا، فهو إخبار عن كونه ما قال إلا الحق ولا تكلم إلا بالصدق.
فقلت: فلم كفر عن يمينه عليه الصلاة والسلام حينئذ، حيث قال:"إِنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرِهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ"؟
فقال رضي الله عنه: لم يكفر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه في هذه القصة، والذي ذكره بعد في الحديث إنما هو ابتداء كلام وتأسيس حكم وإعطاء قاعدة شرعية، ولم يصدر منه صلى الله عليه وسلم تكفير في هذه القصة رأسا.
قلت: وإلى هذا ذهب الأكابر من الفحول كالحسن البصري وغيره، فللَّه ما أصح عرفان هذا الشيخ العظيم.