الصفحة 253 من 761

إن المشاهدة على قدر المعرفة، وإن المعرفة حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم حين كان الحبيب مع حبيبه ولا ثالث معهما، فهو صلى الله عليه وسلم أول المخلوقات، فهناك سقيت روحه الكريمة من الأنوار القدسية والمعارف الربانية، ما صارت به أصلا لكل ملتمس ومادة لكل مقتبس. فلما دخلت روحه الكريمة في ذاته الطاهرة سكنت فيها سكنى الرضا والمحبة والقبول، فجعلت تمدها بأسرارها وتمنحها من معارفها، والذات تترقى في المعارج والمعارف شيئا فشيئا من لدن صغره صلى الله عليه وسلم إلى أن بلغ أربعين سنة، فزال الستر حينئذ الذي بين الذات والروح، وانمحى الحجاب الذي بينهما بالكلية، وحصلت له صلى الله عليه وسلم المشاهدة التي لا تطاق، حتى صار يشاهد كمشاهدة العيان أن الحق سبحانه هو المحرك لجميع المخلوقات والناقل لهم من حيز إلى حيز، والمخلوقات بمنزلة الظروف وأواني الفخار لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، فأرسله الله تعالى وهو على هذه المشاهدة، والمخلوقات في عينيه ذوات خالية وصور فارغة ليكون رحمة لهم، فلا يرى الفعل منهم حتى يدعو عليهم فيهلكوا كما فعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله مع أممهم، ولهذا استعجلوا دعواتهم وأخرت دعوة نبينا صلى الله عليه وسلم شفاعة إلى يوم القيامة، فصارت دعوته رحمة على رحمة وظهر مصداق قوله تعالى) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (. ومصداق قوله صلى الله عليه وسلم"إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ لِلْخَلْقِ".

وهذا أول بداية له صلى الله عليه وسلم في المشاهدة، وفي كل لحظة يترقى ويعرج في مقاماته التي لا تكيف.

فقلت: وهل بقي فوق ذلك شيء؟

فقال رضي الله عنه: لو عاش نبينا صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا ما وقف في الترقي، فإن كمالات مولانا تعالى لا نهاية لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت