فقال رضي الله عنه: في هذا الخفاء من التبجيل لنبينا صلى الله عليه وسلم والتكريم له، والتعظيم لقدره الرفيع، شيء لا يطاق ولا يعرفه إلا من رحمه الله تعالى. وذلك أن ذاته صلى الله عليه وسلم قد يحصل لها في بعض الأحيان استغراق في مشاهدة الحق سبحانه، فتنقطع الذات بجميع علقها وتولهها وجميع عروقها وأجزائها وغمور نورها في نور الحق سبحانه، فتبقى منقطعة عن غيره لكنها محفوظة فلا تفعل إلا الحق ولا تنطق إلا به. فإذا رأى الملائكة هذه الحالة حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم، وهم يعلمون أنه لا يطيقها غيره من مخلوقات الله عز وجل وأنه عليه الصلاة والسلام لا يشعر بهم حينئذ، بادروا واغتنموها وسألوه عن الإيمان وأخذوه عنه وشيخوه فيه، فيقول له الملك وقد جاءه في صورة أعرابي: جئت يا رسول الله لأومن بك ولأصدقك فعلمني كيف أومن بالله وبرسوله، فيعلمه.
فقلت: ولم يتعلمون الإيمان منه ويأخذونه عنه وهم عباد الله المكرمون وملائكته المقربون؟
فقال رضي الله عنه: جاه نبينا صلى الله عليه وسلم عظيم، وكل من أخذ الإيمان عنه ولم يبدل فإنه لا يرى صراطا ولا نارا، فاغتنم الملائكة فرصتها.
فقلت: ولم لا يسألونه في غير هذه الحالة؟
فقال رضي الله عنه: إذا رد عليه السلام إلى حسه وعرفهم ملائكة وعلموا بأنه عرفهم، فإنه لا يمكنهم والحالة هذه أن يجعلوا أنفسهم كالأعراب على الحقيقة حتى يخرج لهم الجواب من ذاته الكريمة مع نوره ومدده، بخلاف ما إذا كان منقطعا إلى الحق سبحانه، وصارت الذات لا تسمع من المتكلم إلا نطقه وكلامه، فإن الجواب يخرج على الحالة المطلوبة.
فقلت: وهل الملائكة يعرفون الحالة التي يرد فيها إلى حسه صلى الله عليه وسلم، والحالة التي ينقطع فيها إلى الحق سبحانه؟
فقال لي رضي الله عنه: لا يخفى ذلك عليهم ولا على من فتح الله بصيرته، والله تعالى أعلم.