فقلت: وبم حصل لكم هذا الأمر الشديد؟ فقال: كما إذا كان شخص لم ير ثورا قط ولا سمع به، ثم مسح له على عينيه فوجد نفسه بين يدي ما لا يحصى من الثيران، كيف يكون حاله؟ فقلت: فكأنكم تقولون إن الذي حصل لكم من الخوف إنما حصل من خرق العادة. فقال: نعم، إنما حصل لنا ذلك من مشاهدة ذلك الخارق للعادة. فقلت: وهل سمعتم قولها السابق الخارق للعادة بلغة العرب أم بلغة الجمادات؟ فقال رضي الله عنه: بلغة الجمادات، ولها لغات وألسن تليق بذواتها وجماداتها، وسماعنا لها يكون بالذات كلها لا بالأذن التي في الرأس فقط.
ثم قال رضي الله عنه: وهذا المشهد إنما يكون للولي في حال بدايته، وأما بعد ذلك فإنما يشاهد الفعل من الخالق سبحانه، فيشاهد الخالق سبحانه يخلق فيها كلاما وتسبيحا وغير ذلك مما يكون فيها، ويشاهدها ظروفا خاوية وصورا فارغة. فقلت: وهذا لا يختص بها، بل يكون له هذا الشهود حتى في بني آدم وغيرهم من العقلاء. فقال رضي الله عنه: نعم، لا فرق في شهوده بين الجميع.
قال رضي الله عنه: وما ذكرناه من حال الجمادات في معرفتها بخالقها سبحانه إنما يعرفه رجل خرج عن عالم السموات والأرض، وتباعد عنه حتى صار ينظره كالكرة بين يديه، ثم ينظر إليه بالنظر القوي الخارق الذي لا أعرف اليوم من ينظر به إلا أن يكون ثلاثة من الناس، فإذا نظر بذلك النظر القوي رأى ما قلناه عيانا، ورأى كل مخلوق لله تعالى من هذه الجمادات إما ساجدا له عز وجل، وإما قائما منكس الرأس من خشيته على هيئة الراكع، وأول ما يرى على هيئة الراكع الأرض بنفسها، والله تعالى أعلم.