فقال: لا، ولكن المخلوقات كلها ناطقها وصامتها إذا سئلت عن خالقها قالت بلسان فصيح: الله هو الذي خلقني. فافتراق المخلوقات إلى ناطق وصامت، وحيوان وجماد، بالنسبة إلى المخلوقات فيما يعرف بعضهم من بعض، وأما بالنسبة إلى الخالق سبحانه فالكل به عارف وله عابد وخاشع وخاضع. فإن الجمادات لها وجهتان: وجهة إلى خالقها وهي فيها عالمة به عابدة له قانتة، ووجهة إلينا وهي فيها لا تعلم ولا تسمع ولا تنطق. وهذه هي التي سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يرفعها عن الحاضرين حتى تظهر لهم الوجهة الأخرى التي إلى الخالق سبحانه، وباعتبار وجهة الخالق قال تعالى:) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ (.
ومن هذا المعنى أجابني عن حكاية سيدنا داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع الضفدع لما استكثر السيد داود عليه السلام تسبيحه لربه عز وجل، فشاهد الضفدع المذكور يسبح طول عمره لا يفتر طرفة عين، فاستصغر سيدنا داود عليه السلام حالته التي كان استكثرها، فقال رضي الله عنه لي في الجواب: إن سيدنا داود عليه السلام شاهد من الضفدع حالته في الوجهة إلى الحق سبحانه، وهي حالة الباطن، فإن التسبيح فيها دائم لا فتور فيه.
ومن هذا المعنى الحكاية التي ذكرها لنا شيخنا عن سيدي محمد اللهواج المتقدم ذكره في شيوخه رضي الله عنه وعنهم وعنا بهم، فسمعته رضي الله عنه يقول وقد مهد للحكاية كلاما على عادته رضي الله عنه: إن للأرض علما هي حاملته وعارفة به كما يحمل أحدنا كتاب الله عز وجل ويعرفه، وكذا لكل مخلوق من الجمادات علم هو حامل له.
فقلت: فتكون عاقلة عالمة كيف وهي جماد؟
فقال رضي الله عنه: إنما كانت جمادا في أعيننا، وأما بالنسبة إلى خالقها سبحانه فهي به عارفة.