الصفحة 242 من 761

فقال رضي الله عنه: الروح هي المتصرفة في الحركات، والذات هي المتصرفة بالأسرار. فالروح غالبة من حيث الحركة، والذات من حيث سرها الخبيث، ولذا قل الشاكر من العباد حينئذ فهما كشقي الرحى، فالروح بمنزلة الشق الفوقاني لأنه هو المتحرك، والذات بمنزلة الشق السفلاني، لكن يفرض فيه غليان وحريق حتى تكون الرحى الفوقانية كالدائرة على الطنجير، فهي تؤثر فيه ظاهرا وهو يؤثر فيها باطنا، أعاذنا الله من درك الشقاء وسوء القضاء.

فقلت: فإن العلماء رضي الله عنهم فسروا التصرفين بلمة الملك ولمة الشيطان.

فقال رضي الله عنه: الملك والشيطان عارضان تابعان، والذي فسرنا به هو الأصل، وذلك لأن كل ذات طاهرة أو غير طاهرة لها خواطر، وتلك الخواطر هي الموجبة لفلاحها أو لهلاكها، والملك والشيطان تابعان للخواطر. فإن كانت مرضية تبعها الملك وأتى بما يرضى، وإن كانت غير مرضية تبعها الشيطان وأتى بما تقتضيه. وذلك أن كل خاطر لذات فهو سرها، فإن كان طاهرا فهي طاهرة وإلا فلا. مثاله في المحسوسات إذا أخذت مدا من قمح ومدا من شعير ومدا من حمص ومدا من فول، ثم طحنت كل واحد على حدته وجعلته طعاما، ثم بخرته في الكسكاس، فإذا أخذت تتأمل في بخار كل طعام وجدته مباينا للآخر، ووجدته يشير إلى حقيقة صاحبه، فكذلك الخواطر منزلتها من الذوات منزلة تلك الأبخرة من الأطعمة. فشأن الخواطر عظيم وخطبها جسيم، والمدار كله عليها، والملك والشيطان تابعان لها. فكم خاطر يجعل صاحبه في عليين، وكم خاطر يجعل صاحبه في أسفل سافلين. والخواطر المرضية هي مقتضى الروح وظهرت في الذات لطهارتها، والخواطر الخبيثة هي مقتضى طبع الذات وشهوتها، والله أعلم.

وسألته رضي الله عنه عن حديث"الْحَجَرُ الأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ فِي أَرْضِهِ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت