فقال رضي الله عنه: إنما كان للعامة فقط، وفي يوم القيامة تخرق العوائد، فيكلم الرب سبحانه رجلا واضعا رأسه في حجر رجل، فيسمعه الرجل الواضع رأسه في الحجر ولا يسمعه الآخر. وبالجملة فلا يسمع الكلام إلا من أريد به، وغيره يحجب عنه ولو كان في غاية القرب من سامعه.
قلت: وكذا قال ابن العربي في الرسالة المتقدمة: إن العارفين بالله لا يجهلونه في الحالة الأولى وإنما يجهله المحجوبون. وهذا الكلام في غاية الحسن ونهاية اللطافة، جمع فيه الشيخ رضي الله عنه بين المعنى الشريف اللطيف الذي لا تنكره العقول وبين تنزيه الباري جل جلاله عن الصورة والإتيان والمجيء، فإنه على تفسيره رضي الله عنه لا إتيان ولا مجيء ولا صورة، تعالى ربنا عن المجيء والصورة.
وأما ما ذكره الشيخ الشعراني في كتابه"كشف الران عن وجوه أسئلة الجان"في شأن الصورة المذكورة في هذا الحديث فلا يخفى ما فيه، فليحذره الواقف عليه. وقد نقل الحافظ ابن حجر في الشرح عن ابن فورك الأستاذ رحمه الله ما يقرب من تأويل شيخنا رضي الله عنه، وإذا وقفت على كلام شيخنا وكلام ابن فورك علمت مكانة شيخنا وجلالته في المعرفة نفعنا الله به آمين.
وسألته رضي الله عنه عن حديث:"إِنَّ قَلْبَ الْعَبْدِ بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ".
فقال رضي الله عنه: الأصبع هنا معنوية وهي التصرف التي يكون بها، فالمراد بين تصرفين من تصرفات الرحمن.
فقلت: وما المراد بالتصرفين؟
فقال: مقتضى الذات ومقتضى الروح، فإن الذات مأخوذة من التراب فهي تميل إلى الشهوة، والروح مخلوقة من النور فهي تميل إلى المعارف والحقائق، فهما في تناقض وتصادم دائما.
فقلت: وما الغالب منهما؟