الصفحة 240 من 761

فقال رضي الله عنه: المراد بالصورة الحالة، فهما حالتان للباري سبحانه: ففي حالة وهي الأولى يجهله المؤمنون، وفي حالة وهي الثانية يعرفه المؤمنون. وذلك أن الحبيب إذا أراد أن يخاطب حبيبه خرج منه إلى الحبيب مع الكلام أنوار من الحنانة والشفقة والإتصالات التي بينهما. وأما إذا خاطب الواحد عدوه فإنه لا يخرج مع خطابه شيء من تلك الأنوار، بل يخرج الكلام عاريا منقطعا عنها، وهذا أمر معلوم في العادة، فإن الحبيب إذا خاطب حبيبه تراه يلين له الخطاب ويتعطف عليه وتكثر رأفته به وينبسط معه غاية الإنبساط، وإذا خاطب عدوه انقبض وانكمش وكلح وعبس وبسر وتولى. إذا فهمت هذا، فالحالة الأولى للحق سبحانه خاطب فيها مجموع الأمة أحبابه المؤمنين وأعداءه المنافقين، فخرج الخطاب بغير الأنوار التي يعرفها المؤمنون من ربهم، وإنما كانوا يعرفونها منه عز وجل لأنها في ذواتهم وأرواحهم، وقد أمدهم بها في دار الدنيا، فإذا سمعوا الخطاب على الهيئة الأولى استعاذوا بالله وقالوا: لست أنت ربنا بل ربنا بيننا وبينه علامة وهي الأنوار التي تكون مع خطابه. فإذا قالوا ذلك قصد بخطابه عز وجل خصوص المؤمنين وقصره عليهم، فأطلق الأنوار مع الخطاب، فإذا هبت عليهم أنوار الخطاب وأحسوا بها، علموا أنه هو ربهم سبحانه فخروا له سجدا، وهي الحالة الثانية التي يعرفونه عليها. وإنما لم يطلق تعالى الأنوار مع الخطاب الأول لأن الخطاب موجه إذ ذاك للمجموع الذي فيه الأعداء، وفي الحالة الثانية حجب الأعداء وخص بخطابه الأحباب، فخرج مع الكلام الأنوار التي يشاهدونها في ذواتهم ويرون أسرارها في ظواهرهم وفي بواطنهم.

فقلت: فالمؤمنون الذين جهلوه في الحالة الأولى ما المراد بهم، هل جميعهم أو عامتهم؟

فقال رضي الله عنه: هم العامة فقط، أما الخاصة العارفون بربهم فلا يجهلونه في حالة من الأحوال.

فقلت: وهل الخطاب الأول كان للجميع أو للعامة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت