الصفحة 237 من 761

قال رضي الله عنه: والآية عند المؤمن من الله تعالى بمنزلة الصك الذي فيه الحق، فإن صاحب الحق لا يضيع صكه وإن ضيعه وفرط فيه ضاع حقه. فكذلك الآية فيها حق للمؤمن، فإن حفظ الآية وعمل بما فيها ثبت حقه عند الله تعالى، واستوجب بها دخول الجنان، وإن فرط فيها وأعرض عنها استهزاء واستخفافا كان هو صاحب الذنب العظيم المشار إليه في الحديث، والله أعلم.

وسألته رضي الله عنه عن حديث:"تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ أُمِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ". فقلت: الجنة اعترفت للنار بأنها هي الغالبة حيث اختصت بالمتكبرين، وهي إنما يدخلها المستضعفون.

فقال رضي الله عنه: المسكن في الدار الآخرة تابع لحال ساكنيه، فإن كان ساكنوه أهل كبر وعجب وخيلاء سرى إلى المسكن شيء من أوصاف ساكنيه، وإن كان ساكنوه أهل تواضع وانكسار وفقر واضطرار سرى شيء من ذلك إلى المسكن أيضا. ولا يخفى أن أهل جهنم أرباب تكبر وتجبر، وأن أهل الجنة أرباب تواضع وانكسار، فظهر على جهنم أوصاف ساكنيها، وظهر على الجنة أوصاف ساكنيها. فظاهر الكلام خرج في المحاجة بين الجنة والنار، والمقصود إظهار باطن أهل هذه وباطن أهل هذه، فلذلك ذكرت النار في احتجاجها ما فيه أنانية واستكبار، وذكرت الجنة في احتجاجها ما فيه تواضع وانكسار. وإذا تأملت علمت أن الحجة قائمة للجنة على النار، لأنه رجع حاصل الإحتجاج إلى أن الجنة كأنها قالت إني لا يدخلني إلا عباد الله المتواضعون الخاشعون العارفون بربهم عز وجل، وإلى أن النار كأنها قالت لا يدخلني إلا المتكبرون المتجبرون الجاهلون بربهم المطرودون عن حضرته وساحة رحمته. وبالجملة فكأن الجنة قالت إني لا يدخلني إلا أحباب الله تعالى، وكأن النار قالت إني لا يدخلني إلا بغضاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت