فقال رضي الله عنه: نحن نتكلم في الإسلام الحقيقي المذكور في حديث جبريل الذي هو ثياب الإيمان، فإن اختلاف الشيخين البخاري ومسلم إنما وقع فيه. أما إسلام من أسلم بلسانه وبظاهره فقط فهو خواء على خواء، ولا شيء في يد صاحبه، وإنما هو بمنزلة من رأى قوما يرمون الرصاص بالمدافع، ويضربون بها، وينصبون المدافع نحو الإشارة والهدف، ويحدقون أعينهم ويقومونها، وينظرون كيف يرمون، وهل يصيبون الغرض أم لا؟ فجاء هذا الرجل الناظر إليهم وتشابه بهم، فجعل يمد يدا ويقبض أخرى ويجعل ذلك قائما مقام المدفع، ثم جعل يقوس عينيه وينظر هل يصيب أم لا؟ فإذا خرجت مدافع أولئك القوم كذب مدفعه هو، لأنه لا مدفع له.
قال رضي الله عنه: فهذا مثال من أسلم بلسانه فقط، فهو يصلي وباطنه يقول لا صلاة لك، ويصوم وباطنه يشهد بأنه لا صيام له، ويزكي ويحج ويجاهد وباطنه يقطع بأنه إنما فعل ذلك صورة، فظاهره في واد وباطنه في واد آخر. كما أن ذلك الرجل يعلم أنه لا مدفع له في يده وإنما هو متلاعب، كذلك المنافقون يعلمون أنهم ليس في أيديهم شيء من أمور الإسلام.
قلت: صدق رضي الله عنه في هذا المثال، وقد حكى الله عز وجل عن المنافقين ما في هذا المثال حيث قال تعالى:) وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (، ولقد فضح الله حال المنافقين بهذا المثال من سوء طويتهم وخبث سريرتهم بما لا مزيد عليه. ولقد كنت قبل سماع هذا المثال أحسب أن لهم صلاة وصياما وحجا وزكاة وجهادا بالقلب والباطن وإنما لمن تقبل منهم لكفرهم، فلما سمعت هذا المثال انكشف لي أمرهم وتبين لي وجه كونهم أخبث الكفرة، نسأل الله السلامة بمنه وفضله.
وسألته رضي الله عنه عن حديث المطلب بن حنطب عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: