الصفحة 234 من 761

قال: ولو أنه لم يسأل ذلك الغني حتى وقف بين يديه وجعل يسأله بلسانه، فإنه لا يسأله بلسانه حتى تخضع له ذاته، وتذل له أركانه، ويبلغ الأرض بين يديه، ويتطارح عليه بما أمكنه، ولا يبقى شيئا من الخضوع إلا أظهره في جوارحه، وحينئذ ينظر فيه ذلك الغني نظر رحمة ويعطيه سؤاله، فيظن الظان أنه أعطاه لأجل سؤاله اللساني، وهو إنما أعطاه لأجل خضوعه الباطني الذي ظهر عليه في سائر أركانه، ومن المحال أن يكون في تلك الساعة سكن غير ذلك الغني في باطنه.

قال رضي الله عنه: فإلى هذا المعنى الذي في المثال وافتراق الحالين الذي فيه أشار عليه الصلاة والسلام بقوله:"أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ"، أي من عبد الله على صفة الحضور بين يديه تعالى فقد أحسن عبادته، ومن لا فلا. وعلامة العبادة على الحضور وعلى الغفلة أن ينظر إلى باطن العابد وقت العبادة فإن كان معمورا بمشاهدة أمور فانية وحوائج شاغلة عنه تعالى، فهو بمنزلة الرجل الأول، وإن كان الباطن خاليا من غيره تعالى، منقطعا إليه ومقبلا عليه تعالى بالكلية، كان صاحبه بمنزلة الرجل الثاني.

فقلت: فقد اختلف حديث البخاري ومسلم، فإن البخاري قدم الإيمان وثنى بالإسلام وثلث بالإحسان، ومسلم قدم الإسلام ثم الإيمان بعده وثلث بالإحسان.

فقال رضي الله عنه: المختار عندي صنيع البخاري وما في حديثه، فإن الإسلام إنما هو ثياب الإيمان، فالإيمان سابق والإسلام بعده.

فقلت: فالإسلام سابق على الإيمان بدليل قوله تعالى:) قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت