وما تكلم معي في هذه المسألة إلا على كره، وقال: إن تمام تحقيق ما تسأل عنه موقوف على معرفة علم التعبير، ولا يدرك بالتعلم لأنه موقوف على معرفة أحوال الرائي الخارجة عن ذاته ككونه من أهل الحاضرة أو من أهل البادية، وككونه من أهل العلم أو من العوام، وما حرفته ككونه بقالا أو تاجرا أو صانعا، وهل هو من الأغنياء أو من الفقراء، إلى غير ذلك من الأحوال التي لا تكاد تنحصر، وعلى معرفة أحواله الباطنة من كون الروح أمدت الذات بجميع أجزائها وهي ثلثمائة وستة وستون جزءا أو ببعضها، وهل هو الأكثر أو الأقل، وكيف وضع سر العقل في الذات، وفي أي شيء يجول فكر الرائي وخاطره، حتى لو فرضنا مائة رجل جاءوا إلى العالم بهذا العلم وقال كل واحد منهم إني رأيت في المنام أني شربت عسلا، فإنه يعبر لكل واحد تعبيرا لا يلاقي تعبير الآخر، لأن التعبير موقوف على ما سبق من الأحوال الظاهرة والباطنة، ولا يتفق فيها اثنان من تلك المائة فضلا عن ثلاثة، فهذه غاية الفائدة والسلام.
وسألته رضي الله عنه عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الإحسان:
"أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ".
فقال رضي الله عنه مبينا بضرب مثال: إن رجلا مثلا لو جاء إلى فضاء لا يرى فيه أحدا، وجعل يهتف باسم غني من الأغنياء وهو غائب عنه، ويقول: يا سيدي فلان أعطني كذا، عاملني بكذا، أنا محتاج إلى كذا. فإنه في صورة المتلاعب لا في صورة السائل، وكل من رآه يهزأ به، ويضحك منه. فإذا كان يرى في ظنه أن ذلك التلاعب هو غاية السؤال وأنه عاكف على باب ذلك الغني، كان هذا أيضا منه غاية الوبال وزيادة ضلال على ضلال.