فقال رضي الله عنه: سبب اختلاف المنامات وتنوعها اختلاف خواطر الذات وتنوعها، وسبب اختلاف الخواطر وتنوعها غيبي لا يطلع عليه أكثر الخلق. فقلت: وما هو؟ فقال رضي الله عنه: هو فعل الله سبحانه في قلب العبد، وفعله تعالى في قلب العبد لا يسكن في اليقظة ولا في المنام حتى تخرج الروح من الجسد، وكل حركة للقلب منذ وجد العبد إلى مماته أثر لفعله تبارك وتعالى، يريد منها أمرا معينا بخصوصه فيخطر ذلك الأمر على القلب، فإذا تحرك القلب ثانيا فلحركته الثانية خاطر آخر، وكذا الحركة الثالثة وهلم جرا. فإذا أراد الله بعبده خيرا أو علمه منه كان خاطر الحركة الأولى خيرا، وخاطر الثانية خيرا وهكذا. فإذا أراد الله بعبده سوءا كان خاطر الحركة الأولى لما أراد سبحانه من السوء، وهكذا خاطر سائر الحركات حتى يتوب الله عليه ويريد به خيرا، فتنقلب الخواطر إلى الخير ويتحرك العبد فيه. فكل أعمال العباد تابعة لخواطرهم، وخواطرهم تابعة لحركات قلوبهم، وحركات قلوبهم تابعة لأفعال الحق سبحانه في القلوب وإرادته فيها.
فقلت: وهل هذا معنى كون قلب العبد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء؟ فقال رضي الله عنه: نعم. فحصل لي وجل عظيم وخوف تام من حركات القلوب وتقلباتها، وعلمت أن مبنى السعادة بأسرها والشقاوة برمتها إنما هو على تلك الحركات. نسأل الله تعالى الذي بيده قلوبنا، وتحت قهره وسلطانه جميع أمورنا، أن يحركها فيما يحب ويرضى.
قال رضي الله عنه: ثم ثمرات هذه الحركات القلبية من خير أو غيره أجلها سبعة أيام. ومعنى ذلك أن مراد الله من الحركة يناله العبد ويدركه في ساعتها أو بعد ساعتها، وقد يتأخر ذلك وغاية تأخيره سبعة أيام. فقد يكون العبد في يوم يعمل عملا وحركته تقدمت بيوم أو أكثر، وما مثل ذلك إلا كالنبات يظهر بعضه في يوم ويتأخر بعضه ويتقدم بعضه والزريعة واحدة) فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (.