قال رضي الله عنه: وسر تلك الأشياء الموجودة في المرائي السابقة هو أن البيان والتخاطب إنما يقع بالأمر الذي فيه المشاهدة، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في المشاهدة دائما ولو في حالة النوم، وهم في مشاهدة الحق سبحانه في خليقته بمثابة الطير الذي لا يثبت على حالة، فتراه مرة على هذا الغصن ومرة على غصن آخر، ومرة على هذه الشجرة ومرة على شجرة أخرى، ومرة في الأرض ومرة في السماء، فكذلك هم عليهم الصلاة والسلام مرة تحصل لهم المشاهدة عند رؤيتهم السموات والأرض ومرة عند رؤية الكواكب والشمس والقمر، فإذا نظروا إلى ذلك استحضروا عظمة الخالق سبحانه وحصلت لهم مشاهدة كبيرة لا تكيف، فإذا أراد تعالى أن يعلمهم في حالة هذه المشاهدة بأمر أجنبي فإنه يريه لهم فيما فيه المشاهدة. وهذا هو الواقع في رؤيا يوسف عليه السلام، فإنه حصلت له مشاهدة الحق سبحانه وهو نائم عند رؤية الكواكب والشمس والقمر، لأن روحه عرجت إلى السموات فحصلت لها المشاهدة المذكورة، فلما أراد الحق سبحانه أن يعلمه بسجود أبويه وإخوته له، أراه السجود في الكواكب والشمس والقمر التي فيها المشاهدة، وذلك لاشتغال الباطن بما فيه المشاهدة بلا قصد من يوسف عليه السلام إلى غير ما فيه المشاهدة حتى يقع الإرادة فيه. وكذلك حصلت لإبراهيم عليه السلام مشاهدة عند استحضاره نعمة الحق سبحانه على الوالد بولده، وكيف حال تلك النعمة العظيمة. فلما أراد الحق سبحانه أن يعلمه بذبح الكبش الذي هو فداء، أراه الذبح فيما فيه المشاهدة الذي هو الولد والنعمة به. وهكذا يقال في سائر المرائي المتقدمة، والله أعلم.
هذا ما يتعلق بالقسم الذي هو الإدراكات.
وأما القسم الثاني: وهو الخواطر فقد كنت سألته رضي الله عنه عن سبب الرؤيا، وأجابني في ذلك ببيان هذا القسم ونص ما كتبته في ذلك:
وسألته رضي الله عنه ذات يوم عما يراه النائم في منامه.