الصفحة 217 من 761

مثاله من رأى ميتا في المنام وهو عالم بأنه ميت، وسأله عن حاله وما لقيه من الله عز وجل، فجعل الميت يشكو له حاله وسوء فعاله، فتعبيره أنه يدل على حسن دين الرائي وصلاح آخرته، وأن المعاصي التي كان فيها سيتوب منها. ووجه هذا التعبير أن الموعظة في النوم تؤثر لا محالة، فإن الله تبارك وتعالى أقامها للعبد مقام الزجر والتخويف، وما كان من الله تعالى فإنه يمضيه وينفذه، وليس في طوق العبد أن يلتقي مع ميت يسأله عن حاله بل ذلك منه تعالى حيث جمع بين الرائي والميت ليسمع منه ما يسمعه ليرحمه تعالى، ولو شاء تبارك وتعالى لتركه مترددا في عمايته. فقد قوي الظلام في تعبير هذه الرؤيا، وخفي فيها الرمز ودقّ فيها التعبير أكثر مما قبله، والله تعالى أعلم.

الدرجة السادسة: الظلام الداخل على الذات من جهل العقيدة الخفيفة جهلا مركبا، مثل أن يعتقد أنه تعالى لا يرى، أو أنه تعالى يجب عليه الجزاء، ويعتقد أنه على صواب في هذه العقيدة، فهذا الظلام الداخل على الذات من هذا الجهل المركب يفوق الظلام الداخل عليها من المرتبة التي قبلها.

مثاله من رأى أنه يأكل من زقوم نار جهنم ويشرب من حميمها، فتعبيره أنه يخوض في الحرام جمعا ومنعا، فهو يجمع الدنيا من غير حلها ولا يصرفها في مستحقها. ووجه هذا التعبير أن الحرام يقود إلى دخول جهنم، والأكل من زقومها، والشراب من حميمها. والظلام فيه من جهة التعبير من حيث إن الزقوم والحميم مكروهان طبعا، والمال محبوب طبعا فقد تباينا بالكره والمحبة، فصار ذلك بمثابة التعبير عن الضد بضده. وأيضا فمما يبعد به التعبير أن يكون المعبر عنه في الدنيا والمعبر به في الآخرة، أو بالعكس، لتباين الدارين، ولبعد ما بينهما رمزا إلى الفظاعة والبشاعة التي في جهنم والزقوم والحميم. فقد قوي الظلام ههنا من ثلاثة أوجه، وليس ذلك بموجود في شيء مما قبله، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت