ثم قلت للشيخ رضي الله عنه: وكيف خفي أمر التعبير على أبي بكر الصديق رضي الله عنه ويعلمه غيره؟ وإن كنا نعلم أن فضل الله يؤتيه من يشاء، إلا أنا نعتقد أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سيد العارفين بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وإمام الأولياء من الصحابة وغيرهم أجمعين، وقد سمعناكم غير ما مرة تقولون: ما في أمة النبي صلى الله عليه وسلم من يطيق أبا بكر في العرفان، وليس في أوليائها وصالحيها من يعرف باطن النبي صلى الله عليه وسلم كمعرفة أبي بكر، فهو سيد العارفين وإمام المحبين.
فقال رضي الله عنه: أبو بكر رضي الله عنه يعلم أمر هذا التعبير، ويعلم ما هو أكثر منه بعشرة آلاف درجة، ولكن إنما غاب عنه في ذلك الوقت بسبب حضوره صلى الله عليه وسلم، فإن أنوار الحاضرين العلمية تغيب عند حضوره عليه الصلاة والسلام، ولا يبقى لها اشتعال لانعكاسها إلى نور المحبة فتثير نار الشوق فيشتغل الفكر بذلك ويستغرق الباطن فيما هنالك، ولا شك أنه إذا غابت أنوار العلم واشتعلت أنوار المحبة والشوق يصير المتكلم في العلم بمنزلة الساهي عنه وبمنزلة الذي يقطع في الروح، لأن القلب ليس له إلا وجهة واحدة فإذا توجه إلى شيء انقطع عن غيره. ومقصود العارفين وسيدهم هو أبو بكر، ومحل رجائهم هو ذات النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حضرت بين أيديهم لم يلتفتوا إلى علم ولا إلى غيره، لأن العلم من أنوار ذاته عليه الصلاة والسلام فإذا غابت الذات تعلقوا بأنوارها لتوصلهم أنوارها إليها، فإذا حضرت الذات سقطت الوسائل ووجب التوجه إليها وصرفت القلوب نحو قصدها.
فقلت: فبأي شيء يتوجه إليها؟
فقال رضي الله عنه: بثلاثة أمور: المحبة، والتعظيم، والتعجب فيما أعطاه الله تبارك وتعالى. وإذا قال النسوة في يوسف عليه السلام) حَاشَ للهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (فماذا يقوله العارفون في سيد الوجود صلى الله عليه وسلم؟