فقلت: فإن جماعة من العلماء رحمهم الله ترخصوا في أمر الرسم وقالوا إنما هو اصطلاح من الصحابة رضي الله عنهم جروا فيه على ما كانت قريش تكتب عليه في الجاهلية، حتى قال القراء في كتابهم (الربوا) بالواو، وإنما صدر ذلك منهم لأن قريشا تعلموا الكتابة من أهل الحيرة وهم ينطقون بالواو في الربوا فكتبوا على وفق منطقهم، وأما قريش فإنهم ينطقون بالألف فكتابتهم له بالواو جرى على منطق غيرهم وتقليد لهم، وحتى قال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب الإنتصار: إن الخطوط إنما هي علامات ورسوم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز، فكل رسم دال على الكلمة مفيد لوجه قراءتها تجب صحته وتصويب الكاتب به على أي صورة كان.
ولننقل كلامه بلفظه وإن كان فيه طول:
قال رحمه الله تعالى حيث تكلم على قول عثمان: إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها ما نصه: ومما يسوغ في تأويل قول عثمان: أرى فيه لحنا ستقيمه العرب بألسنتها، هو أن المقصود منه ما وجد فيه من حذف الكاتب واختصاره في مواضع وزيادة أحرف في مواضع أخرى وإن كان الكاتب لو كان كتبه على مخرج اللفظ وصورته لكان أحق وأولى وأقطع للشبهة عمن ليس الكلام باللسان طبعا له، وقوله ستقيمه العرب بألسنتها معناه أنها لا تلتفت إلى المرسوم المكتوب وإنما تتكلم به على مخرج اللفظ وصورته، فمن هذه الأحرف كتابتهم الصلوة والزكوة والحيوة بالواو على غير مخرج اللفظ، وكذلك إسمعيل وإسحق وإبراهيم والرحمن وملك مما حذفوا فيه الألف على غير مخرج اللفظ، وكذلك زادوا الألف في نحو: قالوا وخرجوا وكفروا وأمثال ذلك، والألف غير ثابتة في اللفظ. فرأى عثمان رضي الله عنه أن كتب هذه الكلمات على مخرج اللفظ أولى وأحق، وأن من تلاها على ما كتبت به كان لاحنا مخطئا، غير أنه علم وغيره من الصحابة أن العرب لا تتلوها على مطابقة الرسم فلذلك قال ستقيمه العرب.