الصفحة 133 من 761

ومما يدل على صحة هذا التأويل ما رواه أبو عبيد عن حجاج عن هارون بن موسى عن الزبير بن حريث عن عكرمة قال: لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان رضي الله عنه فوجد فيها لحنا فقال: لا تغيروه فإن العرب ستقيمه، ولو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف. وقصد بذلك، والله أعلم، أن ثقيفا كان أبصر بالهجاء وأشد تمسكا بالكتابة على مخارج الألفاظ وأعلم بذلك من غيرها، وأن هذيلا تستعمل الهمز كثيرا في كلامها وتظهره وتأتي به مبينا، والهمز إذا ظهر وبان في لفظ المملي سمعه الكاتب وصوره على مخرج اللفظ، وكان القارئ بعد ذلك بالخيار إن شاء لين الهمز وأسقطه على لغة قريش، أو حققه على لغة هذيل، ولو لم يكن التأويل ما ذكرنا لم يكن معنى لذكر ثقيف وهذيل. فثبت أن اللحن الذي أراده عثمان هو ما وقع من الكاتب من ترك مراعاة اللفظ، وإنما لم يغيره وأمرهم أن لا يغيروه لأنه رأى ذلك قد اتسع وكثر في المصاحف كثرة يطول تتبعها ومحتاج معها إلى إبطال النسخ التي رفعت إليه واستئناف غيرها، وفي ذلك صعوبة ومشقة عظيمة، ويصعب ذلك أيضا على النفر الذين عينهم لكتابة المصاحف لأنهم لم يعتادوا الكتابة إلا بذلك الوجه أو خاف نفورهم لما فيه من الطعن عليهم في كتابتهم والقدح فيما رسموه، فأمضاه على ما فيه لعلمه بأن العرب لا تنطق به على ما رسم أبدا.

فإن قيل على هذا الجواب فقد صرتم إلى أنه وقع في خط المصحف ورسمه خطأ وما ليس بصواب وما كان غيره أولى منه، وأن القوم أجازوا ذلك وأمضوه وسوغوه، وذلك إجماع منهم على خطأ وإقرار لما ليس بصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت