الصفحة 121 من 761

وهذا المعنى في الصدق زائد على المعنى الذي سبق في قول الحق الذي هو من أجزاء النبوة، فإن الصدق الذي هنا بمثابة من يحاكي بصاحبه ما سبق في القدر فكأنه مسلوب الإختيار، بخلاف قول الحق فإنه لم يبلغ إلى هذه الغاية، ففي الصدق نور زائد على قول الحق، والله أعلم.

الرابع: السكينة والوقار، وهو نور في القلب يوجب لصاحبه الطمأنينة بالله واعتماد العبد عليه وصرف الحول والقوة إليه وعدم مبالاته بغيره عز وجل، حتى إن صاحبه إذا أمره الله عز وجل بتبليغ أمر وأراد أهل الأرض مضادته فيه وعداوته عليه فإنه لا يبالي بهم ولا يكترث بشأنهم بل يراهم بمنزلة العدم، ويستوي حاله معهم لو صادقوه وأحبوه على ذلك ونصروه عليه فإنه لا يرى لهم حولا ولا قوة في المخالفة ولا في الموافقة. أما من ليست له سكينة فإنه إذا سمع بمن يقصده ويريد ضرره فإنه يرى لنفسه حولا وقوة، ويرى لعدوه كذلك حولا وقوة، فيتحيل في الوجه الذي يدافع به عدوه وتدخله الوساوس حينئذ، فتارة يقدر كيف يهرب وتارة كيف النجاة إذا وقع اللقاء، ولا يزال كذلك حتى يلقاه عدوه وقلبه معلول وعزمه محلول فلا يجيء منه شيء. فلذلك كانت السكينة جزءا من أجزاء الرسالة، لأن صاحب الرسالة أمر بعداوة أهل الأرض حتى يرجعوا عن كفرهم وباطلهم، فهو لا يبالي بإقبالهم ولا بإدبارهم ولا بمحبتهم ولا بإعراضهم. وكذلك كانت حالة الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن أهل الأرض نصبوا لهم العداوة ورموهم عن قوس واحدة وما أثر ذلك فيهم.

قال رضي الله عنه: وهذه السكينة هي المذكورة في غير ما آية من القرآن العزيز نحو قوله تعالى:) ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ (.

فإنزالها في الرسول صلى الله عليه وسلم المراد به إظهارها بمشاهدة آثارها من الثبات ومصابرة العدو الكثير، وإنزالها في المؤمنين بإحداثها فيهم من بركته صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت