قال رضي الله عنه: فمن جملة ذلك معرفة الأسباب التي يكون بها معاشهم في الظاهر وفي الباطن. ومعاشهم في الظاهر هو ما تقوم به ذواتهم وتدوم به حياتهم، فيدخل في ذلك معرفة أسباب التكسب من حراثة وفلاحة وتجارة وكل ما يعمل باليد من سائر الصناعات، فلا بد من معرفة ذلك كله ومعرفة ما يوصل منه إلى الربح وما لا يوصل. ويدخل في ذلك أيضا علم الأدب الذي يعبر عنه الناس بعلم السياسة، فإنه أيضا لا بد من معرفة الأسباب التي تكون معها المعاشرة وتدوم معها المخالطة، وفيها علوم كثيرة.
وأما معاشهم في الباطن، فهو ما يجمع العبد على ربه تعالى ويحوشه إليه ويدله عليه. ويدخل في ذلك معرفة الشرائع وأنوارها وأسرارها الموصلة إليه تعالى، فيعرف حكم الله في الواقعة وما الحكمة في مشروعيته وما النفع الواصل إلى العبد منه في الدنيا والآخرة. ولو كتبنا ما سمعنا من شيخنا رضي الله عنه في هذا الباب، ورسمنا الجزئيات وأعيان النوازل التي سألنا عنها لأتينا في ذلك بما يستغرب ويستظرف ويعلم الواقف عليه بمجرد سماعه وفهمه أنه الحق الذي لا ريب فيه. فإني خضت معه رضي الله عنه في الخلاف الواقع بين شيوخ المذهب رحمهم الله، ثم في الخلاف الواقع بين أرباب المذاهب، ثم في الخلاف الواقع بين شرائع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام سنين عديدة، فسمعت من الأسرار في ذلك ما لا يدخل تحت الحصر، متعنا الله بذلك في الدنيا وفي الآخرة بمنه وكرمه آمين.
قال رضي الله عنه: ومن جملة تلك العلوم معرفة الآفات العارضة لأسباب المعاش الظاهري والباطني، وكيفية التحرز منها حتى يكون صاحب هذا العلم على بينة من أمره في سائر أسبابه، فيعلم ما ينفعه النفع الخاص به في الدارين وما يضره الضرر الخاص به كذلك. ويدخل في هذا معرفة علم الطب الكامل على ما هو عليه في نفس الأمر، وهو إما ظاهري وهو ما يرجع إلى صلاح المعاش الظاهري، وإما باطني وهو ما يرجع إلى صلاح المعاش الباطني والله تعالى أعلم.