فقال رضي الله عنه: هي مختلطة. ثم أخذ كفا من ماء وقال: هذه أوقية العلم، ثم أخذ قطرة من ماء آخر ووضعها على الماء الذي في كفه فقال: أليس أنها امتزجت مع جميع جواهر الماء؟ فقلت نعم، فقال: هذا حصل في العلم. ثم أخذ قطرة أخرى وزادها على الماء فقال: أليس أنها امتزجت معه؟ فقلت نعم، فقال: هذا معلوم ثان حصل في العلم. ثم أخذ قطرة ثالثة فزادها على الماء فقال: أليس أنها امتزجت معه؟ فقلت نعم، فقال: هكذا حصول المعلومات في العلم، فإن نوره في أول القطرة يكون خاليا من العلوم، ثم يحصل فيه شيئا فشيئا على سبيل التدريج، والمعلومات تحصل ونور العلم يزيد، فلا نهاية لنوره أبدا كما لا نهاية للمعلومات فإنه بمثابة الغمد لها، فإن قل ما في الغمد صغر جرم الغمد، وإن كثر ما في الغمد كبر جرم الغمد. ومن عجيب أمر هذا الغمد أن يكون في أول القطرة صغيرا جدا قدر ما يسع معلوما واحدا، فإن زاد معلوم ثان اتسع له الغمد وهكذا إلى ما لا نهاية له والله أعلم.
الثاني: عدم التضييع، وهو نور في العلم يقتضي أن لا يسقط من معلوماته شيء إلا لمن يستحقه. فهذا النور يحفظه من وصوله إلى غير أهله فلا يصل إليه ابتداء. وعلى تقدير إذا وصل إليه فإنه يسترجعه، ويستفهمه، ويرده إلى أصله، ويحميه من البقاء عند من لا يستحقه. وهكذا كان عليه الصلاة والسلام، فإنه يتكلم بأنوار العلوم ويسمعها منه البر والفاجر والمؤمن والمنافق.
فأما الفاجر والمنافق فإنها لا تقر عنده ولا تبقى على باله، لأن النور المذكور يستردها إلى أصلها الطاهر ومحلها الزاهر وهو ذاته صلى الله عليه وسلم.
وأما أهل المحبة والإيمان رضي الله عنهم فإنهم أهل للحكمة ومحل لقبول الخيرات كما قال تعالى:) وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا (.
فإذا سمعوا تلك الأنوار فإنها تستقر فيهم لطهارتهم.