ثم ضرب مثلا ليتبين الحال، فقال رضي الله عنه: لو فرضنا رجلا بنى دارا ووقع له في بنيانها أنه باشر بنفسه العمل البعيد والقريب، فنقل التراب وطبخه وجعل منه الآجر، ونقل الحجر وطبخه وجعل منه الجير، ونقل الخشب ونشرها، وبنى البنيان وشيد الأركان، ولم يعنه أحد في شيء من أمورها بل تولى جميع أعمالها من أولها إلى آخرها، حتى إنه ما من شيء منها إلا وفعله عن قصد ونية وفكرة وروية، حتى صار كل شيء منها بمثابة ما فطرت عليه ذاته، فهو حاضر في فكره لا يغيب عنه. فإذا غاب عن الدار مدة ثم رجع إليها فنظرها ونظرها معه رجل آخر، فرؤية البصر موجودة منهما معا ولكن الصانع يفوق الرجل الآخر من حيث إن الدار وأجزاءها وأجزاء أجزائها وتفاصيل أعمالها وتفاصيل تلك التفاصيل مما عملته يد الصانع، فهو يعلم من ظاهر الدار وباطنها وداخلها وخارجها ما لا يعلمه الآخر. فكذلك العلم الكامل يحيط بالظاهر وبالباطن وبالأجزاء وبأجزاء الأجزاء وبالتفاصيل وتفاصيل التفاصيل، والبصر إنما يتعلق بظاهر سطح الدار ولا يعمه فضلا عن أن يخرق إلى الباطن. وهذا المثال تقريبي لا تحقيقي، فإن العلم الكامل لا يدريه إلا من رحمه الله تعالى، ولا يبلغ إلى كنهه بالأمثلة والتقريبات.
فقلت: فكيف تحصل الأشياء في العلم؟
فقال رضي الله عنه: إذا فرضنا نور العلم بمثابة أوقية من الماء الصافي الأبيض الذي بقي على أصل خلقته في رقته وصفاء جوهره، ثم فرضنا أوقية أخرى مركبة من قطرات كثيرة متباينة، فقطرة مالحة وقطرة حلوة، وقطرة مرة وقطرة حامضة، وقطرة باردة وقطرة حارة، وهكذا حتى تأتي على الآخر، ثم جعلنا الأوقية المركبة على الأوقية الصافية فإنهما يلتحمان ويختلطان ويصير الماءان ماء واحدا. فالأوقية الأولى بمثابة العلم، والأوقية الثانية بمثابة المعلومات لاختلافها وتباينها.
فقلت: فهل القطرات المتباينة التي في أوقية المعلومات متمايزة كل قطرة في حيز أو غير متمايزة بل مختلطة وملتحمة؟