وكذا يختلفان في عدم الغفلة فإنه في الروح على نحو ما سبق تفسيره، وأما في الذات فهو بالنسبة إلى توجهها بمعنى أنها إذا توجهت إلى شيء لا يفوتها ولا يلحقها في توجهها إليه سهو ولا غفلة ولا نسيان، وأما إذا لم تتوجه إليه فإنها قد تغفل عنه ويقع لها فيه السهو والنسيان، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري:"إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي". قال ذلك صلى الله عليه وسلم حين وقع له السهو ولم ينبهوه.
قلت: فلله دره من إمام فإنه قد أعطى للحقيقة حقها، وأعطى للشريعة حقها. وأما حديث:"إِنِّي لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أَنْسَى لِأُسِنَّ"، فقد قال فيه الحفاظ مثل الإمام ابن عبد البر في التمهيد، والحافظ ابن حجر في الفتح، والحافظ جلال الدين السيوطي في حاشية الموطأ، إنه من الأحاديث التي لم يتصل إسنادها إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من كتب الحديث. قال ابن حجر: ويكفي في رده قوله في هذا الحديث:"إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ...".
فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكتف بنسبة البشرية إليه حتى شبه نسيانه بنسيان أصحابه رضي الله عنهم. انظر بقية كلامه في الفتح والله أعلم.
السادس: قوة السريان، وهي عبارة عن إقدار الله تعالى لها على خرق الأجرام والنفوذ فيها، فتخرق الجبال والجلاميد والصخور والجدران، وتغوص في ذلك وتذهب فيه حيث شاءت. وإذا سكنت الروح في الذات وأحبتها واصطحبت معها أمدتها بهذه القوة فتصير الذات تفعل ما تفعله الروح.
ومن ذلك حكاية النبي يحيى على نبينا وعليه السلام، الذي أراده قومه ففر منهم ودخل في شجرة، فإن روحه أمدت ذاته لمحبتها فيها بالقوة المذكورة فخرقت الذات جرم الشجرة ودخلت فيها.
ومن ذلك أيضا: ما يقع للأولياء رضي الله عنهم من وجودهم في الموضع ودخولهم إياه من غير فتح باب.