الخامس: عدم الغفلة، وهو عبارة عن انتفاء أوصاف الجهل وأضداد العلم عن القدر الذي بلغ إليه علمها ووصل إليه نظرها فلا يلحقها سهو ولا غفلة ولا نسيان عن معلوم أي معلوم من القدر الذي وصلت إليه. وليس حصول المعلومات لديها على التدريج بل يحصل ذلك بنظرها دفعة واحدة، فليس في علمها أنها إذا توجهت إلى شيء غفلت عن غيره بل إذا توجهت إليه حصل غيره معه، بل لا تحتاج إلى توجه لأن العلوم فطرية فيها، ففي أول فطرتها حصلت لها علومها دفعة واحدة ثم دام لها ذلك كما دامت ذاتها. فهذا هو المراد بعدم الغفلة وهو ثابت لكل روح، وإنما تختلف في قدر العلوم، فمنها من علومه كثيرة، ومنها من علومه قليلة، وأعظم الأرواح علما وأقواها نظرا روحه عليه الصلاة والسلام لأنها يعسوب الأرواح، فهي مطلعة على جميع ما في العوالم كما سبق دفعة واحدة من غير ترتيب ولا تدريج، ثم لما وقع الإصطحاب بينها وبين ذاته الطاهرة صلى الله عليه وسلم أمدتها بعدم الغفلة حتى صارت الذات مطلعة على جميع ما في العالم مع عدم لحوق الغفلة لها في ذلك. لكن الإطلاع ليس مثل الإطلاع، فإن اطلاع الروح دفعة واحدة من غير ترتيب، واطلاع الذات على سبيل التدريج والترتيب، بمعنى أنها ما من شيء تتوجه إليه في العالم إلا وتعلمه، لكن علمه لا يحصل إلا بالتوجه، فإذا توجهت إلى شيء آخر علمته، وهكذا حتى تأتي على ما في العالم، فلها التسلط في العلم على ما في العالم ولكن بتوجه بعد توجه، ولا تطيق الذات ما تطيقه الروح من حصول ذلك دفعة واحدة.