ثم الروح إذا أحبت الذات أمدتها بهذا التمييز، فلذلك كانت ذاته الطاهرة صلى الله عليه وسلم تميز ذلك التمييز السابق وتخرق به العوالم كلها، فسبحان من شرفها وكرمها وأقدرها على ذلك.
الرابع: البصيرة، وهي عبارة عن سريان الفهم في سائر أجزاء الروح كما يسري في جميعها أيضا سائر الحواس، مثل البصر والسمع والشم والذوق واللمس. فالعلم قائم بجميعها، والبصر قائم بجميعها، والشم قائم بجميعها، والذوق قائم بجميعها، واللمس قائم بجميعها، حتى إنه ما من جوهر من جواهرها إلا وقد قام به علم وسمع وبصر وشم وذوق ولمس. فبصرها من سائر الجهات وكذا بقية الحواس. فإذا أحبت الروح الذات وزال الحجاب الذي بينهما أمدتها بهذه البصيرة فتبصر الذات من أمام وخلف وفوق وتحت ويمين وشمال بجواهرها كلها، وتسمع كذلك وتشم كذلك، وبالجملة فما كان للروح يصير للذات. وقد زال الحجاب بين الذات الطاهرة وبين الروح الشريفة يوم شقت الملائكة صدره الشريف صلى الله عليه وسلم وهو صغير، ففي ذلك الوقت وقع الإلتحام والإصطحاب بين روحه وذاته صلى الله عليه وسلم، وصارت ذاته تطلع على جميع ما تطلع عليه روحه صلى الله عليه وسلم، فلهذا صلى الله عليه وسلم كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه، وقد قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم:"أَقِيمُوا رُكُوعَكُمْ وَسُجُودَكُمْ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي"، فهذا هو سر الحديث والله تعالى أعلم.